1.3
إيرادهما عقد وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب التنزيل الحكيم.
1.4
قرأ عاصم والكسائي بإثبات ألف ﴿ ملك ﴾ والباقون بحذفها. قال الزمخشري: ورجحت قراءة " ملك " لأنه قراءة أهل الحرمين، وهم أولى الناس بأن يقرؤوا القرآن غضا طريا كما أنزل، وقراؤهم الأعلون رواية وفصاحة. ولقوله تعالى:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]. فقد وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة. والقرآن يتعاضد بعضه ببعض، وتتناسب معانيه في المواد. وثمة مرجحات أخرى.
وقال بعضهم: إن قراءة ﴿ ملك ﴾ أبلغ، لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة، ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة، وتظهر التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه. ومن وجوه تفضيلها: إنها تزيد بحرف، ولقارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات - كما رواه الترمذي عن ابن مسعود بإسناد صحيح - وكلاهما صحيح متواتر في السبع.
و ﴿ الدين ﴾ الحساب والمجازاة بالأعمال. ومنه: " كما تدين تدان " أي: مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين. وتخصيصه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله، أو لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر وفصل القضاء فيه.
1.5
قال الطبري: أي لك، اللهم نخشع ونذل ونستكين، إقرارا لك بالربوبية لا لغيرك - قال - والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة " معبدا " ومنه قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج " معبد " ومنه سمي العبد " عبدا " لذلته لمولاه. انتهى.
وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده. أعني: أن لا يشرك شيئا ما معه، لا في محبته كمحبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الارض والسماوات وحده. وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلا بد أن يكون العابد محبا للإله المعبود كمال الحب؛ ولا بد أن يكون ذليلا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة، الذي لا يستحقها إلا هو، وهي كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلا هو، تعالى. وقد أشار لذلك تقديم المفعول، فإن فيه تنبيها على ما يجب للعبد من تخصيصه ربه بالعبادة، وإسلامه وجهه لله وحده، لا كما كان عليه المشركون الذين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقد كانوا متفرقين في عبادتهم، متشاكسين في وجهتهم: منهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأحبار والرهبان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار... إلى غير ذلك، كما بينه القرآن الكريم في قوله تعالى:
ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37] الآية. وفي قوله تعالى:
ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون
[سبأ: 40-41]. وفي قوله تعالى:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك
[المائدة: 116] الآية. وقوله تعالى:
ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا
[آل عمران: 80] الآية. وفي قوله تعالى:
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20]. وحديث أبي واقد الليثي قال:
" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: " ذات أنواط " فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ﴾ - إلى قوله - ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ [الأعراف: 138-140] "