ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهر وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا
[الأعراف: 43]. فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينفي عن أحد بوجه. ومنها ما ينفى عن بعض وثبت لبعض، ومن هذا الوجه قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص: 56]. وقال:
ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء
[البقرة: 272]. وقال:
ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم
[الروم: 53]. فإنه عنى الهداية - التي هي التوفيق وإدخال الجنة - دون التي هي الدعاء لقوله تعالى:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52]. وقال في الأنبياء:
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
[الأنبياء: 73].
فقوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ فسر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة: الأول: أنه عني الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك - وإن كان هو قد فعله لا محالة - ليزيدنا ثوابا بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: اللهم صل على محمد. الثاني: قيل: وفقنا لطريق الشرع. الثالث: احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، واعصمنا من الشبهات. الرابع: زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]. وقولك:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]. الخامس: قيل: علمنا العلم الحقيقي فذلك سبب الخلاص، وهو المعبر عنه بالنور في قوله:
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]. السادس: قيل: هو سؤال الجنة، لقوله تعالى:
والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم
[محمد: 4-5]. وقال:
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم
[يونس: 9]. فهذه الأقاويل اختلفت باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادا بالآية - إذ لا تنافي بينها - وبالله التوفيق ". اه كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم، وأن الوجوه المأثورة في آية ما - إذا لم تتناف - صح إرادتها كلها؛ ومثل هذا يسمى: اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
كما أشار لذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مبحث له مهم، نأثره عنه هنا، لما فيه من الفوائد الجليلة. قال رحمه الله:
ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: أحدهما ليس فيه تضاد وتناقض، بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات. وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب. فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ فكل المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة تدل بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق بمنزلة ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء، كل اسم منها يدل على صفة من صفاته. فيقول بعضهم: الصراط المستقيم كتاب الله أو اتباع كتاب الله. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو السنة والجماعة. ويقول الآخر: الصراط المستقيم طريق العبودية، أو طريق الخوف والرضا والحب، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن المسمى هو واحد، وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته؛ وكثير من التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه.
ومنه قسم آخر وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التمثيل لا على سبيل الحد والحصر - مثل أن يقول قائل من العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف - وليس المقصود مجرد عينه، وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص تمثيلا. وهذا كما إذا سئلوا عن قوله:
فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات
[فاطر: 32]. أو عن قوله: