تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

72.22-24

﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ أي: إن أراد بي سوءا ﴿ ولن أجد من دونه ملتحدا ﴾ أي: ملتجأ إن أهلكني. وأصله: المدخل من اللحد. وقوله ﴿ إلا بلاغا من الله ورسالاته ﴾ استثناء من قوله:

لا أملك

[الجن: 21] فإن التبليغ إرشاد ونفع. فهو متصل، وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة. أي: لا أملك إلا التبليغ والرسالات، من معاني الوحي، وأحكام الحق. ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ أي: فلم يسمع ما جاء به، ولم يقبل ما يبلغه ﴿ فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ أي: في الرسالات الإلهية من الظهور عليهم والفتح، أو العذاب الأخروي. ﴿ فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ﴾ أي: أجند الرحمن أو إخوان الشياطين.

72.25-27

﴿ قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ﴾ أي: غاية تطول مدتها.

﴿ علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾ أي: حرسا من الملائكة يحفظونه من تخاليط الشياطين ووساوسهم، حتى يبلغ ما أمر به من غيبه ووحيه.

قال القاشاني: ﴿ رصدا ﴾ أي: حفظة إما من جهة الله التي إليها وجهه، فروح القدس والأنوار الملكوتية والربانية. وإما من جهة البدن، فالملكات الفاضلة والهيآت النورية الحاصلة من هياكل الطاعات والعبادات، يحفظونه من تخبيط الجن، وخلط كلامهم من الوساوس والأوهام والخيالات بمعارفها اليقينية، ومعانيها القدسية، والواردات الغيبية، والكشوف الحقيقية. انتهى.

تنبيه

قال الزمخشري: يعني: أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى.

قال: وفي هذا إبطال للكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم؛ لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط. انتهى.

وأجاب أبو السعود بأن معنى الآية: فلا يطلع على غيبه اطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين، أحدا من خلقه، إلا من ارتضى من رسول. أي: إلا رسولا ارتضاه لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بيان ﴿ ارتضى ﴾ بالرسول تعلقا تاما، إما لكونه من مبادئ رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون، وكيفيات أعمالهم، وأجزيتها المترتبة عليها في الآخرة، وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة والبعث، وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة. وأما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب، التي من جملتها قيام الساعة، فلا يظهر عليه أحدا أبدا. على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة. وليس فيه ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف. فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل، لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلا، ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. انتهى.

وملخصه: تقييد الغيب بما هو معجزة أو من وظائف الرسالة.

وهكذا نحا النسفي في الجواب، مع بيان الفارق وعبارته: أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، فإنه يطلعه على غيبه ما شاء: و ﴿ من رسول ﴾ بيان ل ﴿ من ارتضى ﴾.

والولي إذا أخبر بشيء فظهر، فهو غير جازم عليه، ولكنه أخبر بناء على رؤياه، أو بالفراسة. على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول. انتهى.

وقال الرازي: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه - يعني الزمخشري ومن تابعه - والذي تدل عليه أن قوله: ﴿ على غيبه ﴾ ليس فيه صيغة عموم، فيكفي في العمل بمقتضاه ألا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه، فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئا من الغيوب لأحد.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٢٥