تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله: ﴿ إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ﴾ يعني: لا أدري وقت وقوع القيامة. ثم قال بعده: ﴿ علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ﴾ أي: وقت وقوع القيامة من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد. وبالجملة فقوله: ﴿ على غيبه ﴾ لفظ مفرد مضاف، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد. فأما العموم فليس في اللفظ دلالة عليه.

فإن قيل: فإذا حملتم ذلك على القيامة، فكيف قال: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله؟

قلنا: بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة، وكيف لا وقد قال:

ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا

[الفرقان: 25] ولا شك أن الملائكة يعلمون في ذلك الوقت قيام القيامة. وأيضا يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعا، كأنه قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص، وهو يوم القيامة أحدا. ثم قال بعده: لكن من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن؛ لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جوابا لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به، والاستحقار لدينه ومقالته.

وملخصه: تخصيص الغيب بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، والرسول بالملك.

وناقشه في العناية بأن المرضي حمل الرسول على المتعارف لدلالة السباق والسياق عليه. هذا، ونقل النسفي عن التأويلات ما مثاله: قال بعضهم: في هذه الآية تكذيب المنجمة وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. انتهى.

وهذا الجواب يلجأ إليه المتفقهة زعما بأن معرفة مواقيت الكسوف وخواص المفردات مما يشمله علم الغيب. والصواب عدم شموله لمثله، لأنه مما يتيسر للناس أن يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث، كالعلوم الرياضية والطبيعية والزراعية والصنائع والهيئة الفلكية. وبالجملة فكل ما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يكون من الغيب في شيء.

ولذا قال بعض الحكماء: لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية، لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل، وينزع الاستقلال من الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من كل شيء بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها في كل زمن ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم. وإن شئت فقل: لوجب ألا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه. نعم، إن الأنبياء ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة.

وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال:

" أنتم أعلم بأمور دنياكم "

انتهى. فاحفظه فإنه من المضنون به على غير أهله. وقوله تعالى:

﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٢٦