تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58.2

﴿ الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ﴾ يعني: قول الرجل لامرأته إذا غضب عليها: أنت علي كظهر أمي، يعني: في حرمة الركوب. ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ أي: ما نساؤهم اللاتي ظاهروا منهن بأمهاتهم. أي: يصرن بهذا القول كأمهاتهم في التحريم الأبدي.

قال المهايمي: ما هن أمهاتهم بالحقيقة، ولا في حكمهن بالمجاز، إذ لا يقتضي المجاز أن يكون في حكم الحقيقة، إلا بقلب الحقائق، لكنها لا تنقلب.

﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ أي: فلا يشبه بهن في الحرمة الأزواج ﴿ وإنهم ليقولون منكرا من القول ﴾ أي: قولا تنكره العقلاء، وتتجافاه الكرماء. ﴿ وزورا ﴾ أي: باطلا لا حقيقة له؛ لأنه يتضمن إلحاقها بالأم المنافي لمقتضى الزوجية. ﴿ وإن الله لعفو غفور ﴾ أي: لذنوب عباده، إذا تابوا منها وأنابوا، فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.

58.3-4

﴿ والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا ﴾ أي: يرجعون إلى لفظ الظهار ثانية، فالقول على حقيقته، أو يعزمون على غشيانهن ووطئهن رغبة في تحليلهن، بعد تحريمهن، فالقول بمعنى المقول فيه: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ﴾ روى الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة بنت ثعلبة قالت: في والله! وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت:

" كنت عنده، وكان شيخا كبيرا، قد ساء خلقه وضجر. فدخل علي يوما فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي. قالت: قلت: والذي نفسي خويلة بيده! لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم. قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني. قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه ". قالت: فوالله، ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: " يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ". ثم قرأ علي: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ [المجادلة: 1] إلى قوله تعالى: ﴿ وللكافرين عذاب أليم ﴾ قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مريه فليعتق رقبة ". قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عنده ما يعتق! قال: " فليصم شهرين متتابعين ". قالت: فقلت: والله! إنه لشيخ كبير، ما به من صيام. قال: " فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر ". قالت: فقلت: والله! يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنا سنعينه بفرق من تمر ". قالت: فقلت: يا رسول الله! وأنا سأعينه بفرق آخر. قال: " قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا ". قالت: ففعلت ".

ورواه أبو داود: وعنده (خولة بنت ثعلبة)، ولا منافاة كما تقدم، فإن العرب كثيرا ما تصغر الأعلام.

وروى ابن جرير عن ابن عباس قال:

" كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت علي كظهر أمي، حرمت في الإسلام. فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس, وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك. قال: فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فأخبرته فقال: " يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء ". فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا خويلة، أبشري ". قالت: خيرا. قال: فقرأ عليها ﴿ قد سمع الله... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ﴾. قالت: وأي رقبة لنا؟ والله، ما نجد رقبة غيري! قال: ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ قالت: والله، لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره. قال: ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ﴾. قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها! قال: فرعاه بشطر وسق ثلاثين صاعا، والوسق: ستون صاعا، فقال: " ليطعم ستين مسكينا وليراجعك "

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٠٠