58.20
﴿ إن الذين يحآدون الله ورسوله أولئك في الأذلين ﴾ أي: في أهل الذلة؛ لأن الغلبة لله ولرسوله، كما قال:
﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي... ﴾.
58.21
﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ أي: حزب الشيطان المحادين ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضاءه.
58.22
﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ﴾ أي: شاقهما وخالف أمرهما. أي: لا تجد قوما جامعين بين الإيمان بالله واليوم الآخر، وبين موادة أعداء الله ورسوله. والمراد بنفي الوجدان: نفي الموادة، على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه، والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم. وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله: ﴿ ولو كانوا آبآءهم ﴾ أي: آباء الموادين. والضمير في ﴿ كانوا ﴾ لمن حاد الله ورسوله. والجمع باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد فيما قبله، باعتبار لفظها. ﴿ أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾ أي: فإن قضية الإيمان هجر المحادين ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين لا يوادونهم ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ أي: أثبته فيها ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ أي: بنور وعلم ولطف حيت به قلوبهم في الدنيا. وأشار إلى ما لهم في الآخرة بقوله: ﴿ ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ أي: الناجحون الفائزون بسعادة الدارين.
تنبيهات
الأول: من أشباه هذه الآية قوله تعالى:
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقة ويحذركم الله نفسه
[آل عمران: 28] وقال تعالى:
قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين
[التوبة: 24].
الثاني: قال ابن كثير: قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية ﴿ لا تجد قوما... ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر. وفي أبي بكر الصديق، هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن. وفي مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير. وفي عمر قتل قريبا له من عشيرته يومئذ أيضا. وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ. انتهى.
وقد بينا مرارا؛ أن المراد بسبب النزول في مثل ذلك، صدق الآية على هؤلاء، وما أتوا به من التصلب في دين الله، في مقابلة المفسدين، ولو كانوا من أقرب الأقربين.
قال ابن كثير: ومن هذه القبيل حين استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله! هل تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأقتله، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين.
الثالث: قال ابن كثير: في قوله تعالى: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ سر بديع. وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم.
الرابع: يفهم من قوله تعالى: ﴿ حآد الله ورسوله ﴾ وقوله في آية أخرى:
لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء
[الممتحنة: 1] أن المراد بهم: المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء. وهم الذين أخبر عنهم قبل بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. فتشمل الآية المشركين وأهل الكتاب المحاربين المحادين لنا، أي الذين على حد منا، ومجانبة لشؤوننا، تحقيقا لمخالفتنا، وترصدا للإيقاع بنا. وأما أهل الذمة الذين بين أظهرنا، ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا، واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا تشملهم الآية، لأنهم ليسوا بمحادين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، ولذا كان لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم ومشاركتهم، والاتجار معهم، وعيادة مرضاهم،