تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالثة: قال ابن الفرس: يستدل بالآية على أن لا يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي؛ لأنه ضرب به المثل في تحريم الغيبة، ولم يضرب بميتة سائر الحيوان. فدل على أنه في التحريم فوقها. ومن أراد استيفاء مباحث الغيبة فعليه (بالإحياء) للغزالي، فإنه جمع فأوعى.

﴿ واتقوا الله ﴾ أي: خافوا عقوبته بانتهائكم عما نهاكم عنه من ظن السوء، والتجسس عما ستر والاغتياب وغير ذلك من المناهي ﴿ إن الله تواب رحيم ﴾ أي: يقبل توبة التائبين إليه، ويتكرم برحمته عن عقوبتهم بعد متابهم.

ثم نبه تعالى، بعد نهيه عن الغيبة واحتقار الناس بعضهم لبعض، على تساويهم في البشرية، كما قال ابن كثير، بقوله سبحانه:

﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا... ﴾.

49.13

﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ أي: من آدم وحواء، أو من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء. أي: من أب وأم، فما منكم أحد إلا هو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر، سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب.

﴿ وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا ﴾ قال ابن جرير: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضا نسبا بعيدا، وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبا. ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقربة تقربكم إلى الله، بل كما قال تعالى: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ أي: أشدكم اتقاء له وخشية بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتا، ولا أكثركم عشيرة.

﴿ إن الله عليم خبير ﴾ أي: بظواهركم وبواطنكم، وبالأتقى والأكرم، وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية.

تنبيهات

الأول: حكى الثعالبي في (فقه اللغة) في تدريج القبيلة من الكثرة إلى القلة عن ابن الكلبي عن أبيه: أن الشعب (بفتح الشين) أكبر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، (بكسر العين) ثم البطن، ثم الفخذ، وعن غيره: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، ثم الذرية، ثم العترة، ثم الأسرة. انتهى.

وقال الشيخ ابن بري: الصحيح في هذا ما رتبه الزبير بن بكار وهو: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال أبو أسامة: هذه الطبقات على ترتيب خلق الإنسان، فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من قبيلة الرأس لاجتماعها، ثم العمارة وهي الصدر، ثم البطن، ثم الفصيلة وهي الساق. وزاد بعضهم العشيرة فقال:

اقصد الشعب فهو أكثر حي

عددا في الحواء ثم القبيله

ثم يتلوها العمارة ثم ال

بطن والفخذ بعدها والفصيله

ثم من بعدها العشيرة لكن

هي في جنب ما ذكرنا قليله

فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت (الشعوب) لأن القبائل تشعبت منها. و(الشعوب) جمع شعب، بفتح الشين.

قال أبو عبيد البكري في (شرح نوادر أبي علي القالي): كل الناس حكى الشعب في القبيلة بالفتح، وفي الجبل بالكسر، إلا بندار فإنه رواه عن أبي عبيدة بالعكس. نقله الزبيدي في (تاج العروس).

الثاني: في الآية الاعتناء بالأنساب، وأنها شرعت للتعارف، وذم التفاخر بها، وأن التقي غير النسيب، يقدم على النسيب غير التقي، فيقدم الأروع في الإمامة على النسيب غيرهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: سألت مالكا عن نكاح الموالي العربية فقال: حلال، ثم تلا هذه الآية، فلم يشترط في الكفاءة الحرية - نقله في (الإكليل).

وقال ابن كثير: استدل بالآية، من ذهب إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين.

الثالث: أفاد قوله تعالى: ﴿ لتعارفوا ﴾ حصر حكمة جعلهم شعوبا وقبائل فيه. أي: إنما جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا، فتصلوا الأرحام، وتبينوا الأنساب والتوارث، لا للتفاخر بالآباء والقبائل.

قال الشهاب: الحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر، والسكوت في معرض البيان.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦٧٧