49.3
﴿ إن الذين يغضون أصواتهم ﴾ أي: يبالغون في خفضها ﴿ عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ قال ابن جرير: أي: اصطفاها وأخلصها للتقوى يعني لاتقائه بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخلص جيدها، ويبطل خبثها ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾ أي: ثواب جزيل، وهو الجنة.
49.4
﴿ إن الذين ينادونك ﴾ أي: يدعونك ﴿ من ورآء ﴾ أي: خارج ﴿ الحجرات ﴾ أي: عند كونك فيها، استعجالا لخروجك إليهم، ولو بترك ما أنت فيه من الأشغال ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ إذ لا يفعله محتشم، ولا يفعل لمحتشم، فلا يراعون حرمة أنفسهم، ولا حرمتك، ونسب إلى الأكثر؛ لأنه قد يتبع عاقل جماعة الجهال، موافقة لهم.
49.5
﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ﴾ أي: لأن خروجه باستعجالهم ربما يغضبه، فيفوتهم فوائد رؤيته وكلامه. وإن صبروا استفادوا فوائد كثيرة، مع اتصافهم بالصبر، ورعاية الحرمة لنبيهم وأنفسهم ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي: لمن تاب من معصية الله، بندائك كذلك، وراجع أمر الله فيه وفي غيره.
تنبيهات
الأول: قال ابن كثير: قد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد.
روى الإمام أحمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس؛
" أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، يا محمد، (وفي رواية: يا رسول الله،) فلم يجبه. فقال: يا رسول الله، إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال: " ذاك الله عز وجل " ".
وروى ابن إسحاق، في ذكر سنة تسع، وهي المسماة سنة الوفود؛
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فكان منهم وفد بني تميم. فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد! فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم "
ثم ساق ابن إسحاق نبأهم مطولا ثم قال: وفيهم نزل من القرآن:
إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون
[الحجرات: 4].
الثاني: ﴿ الحجرات ﴾ بضمتين، وبفتح الجيم، وبسكونها. وقرئ بهن جميعا: جمع (حجرة). وهي الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. فعلة بمعنى مفعولة، كالغرفة والقبضة.
قال الزمخشري: والمراد حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت لكل واحدة منهن حجرة. ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على الحجرات، متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة، فنادوه من ورائها. وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها. ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمكان حرمته. والفعل - وإن كان مسندا إلى جميعهم - فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم نولوه جميعا.
الثالث: قال الزمخشري: ورود الآية على النمط الذي وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله.
منها: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به، بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه.
ومنها: لفظ: ﴿ الحجرات ﴾ وإيقاعها، كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه.
ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم.
ومنها: التعري باللام دون الإضافة.
ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم، وسوء أدبهم، وهلم جرا... من أول السورة إلى آخر هذه الآية. فتأمل كيف ابتدئ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله، متقدمة على الأمور كلها، من غير حصر ولا تقييد. ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، كأن الأول بساط للثاني، ووطاء لذكره. ثم ذكر ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك، فغضوا أصواتهم، دلالة على عظيم موقعه عند الله. ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم، وهجنته أتم، من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم، في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا، لينبه على فظاعة ما أجروا إليه، وجسروا عليه؛ لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغا. ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد، وثقة الرواية ما لا يخفى - أنه قال: ما دققت بابا على عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه. انتهى.