تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49.8

﴿ فضلا من الله ونعمة ﴾ أي: إحسانا منه، ونعمة أنعمها عليكم. قال القاشاني: كان فضلا بعنايته بهم في الأزل، المقتضية للهداية الروحانية الاستعدادية المستتبعة لهذه الكمالات في الأبد. ونعمة بتوفيقه إياهم للعمل بمقتضى تلك الهداية الأصلية، وإعانته بإفاضة الكمالات المناسبة لاستعداداتهم، حتى اكتسبوا ملكة العصمة الموجبة لكراهة المعصية. وهو تعليل ل ﴿ حبب ﴾ ، ﴿ وكره ﴾ ، وما بينهما اعتراض، أو نصب بفعل مضمر، أي: جرى ذلك فضلا، أو يبتغون فضلا.

﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي: ذو علم بالمحسن والمسيء، وحكمة في تدبير خلقه، وتصريفهم فيما شاء من قضائه.

49.9

﴿ وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ أي: تقاتلوا ﴿ فأصلحوا بينهما ﴾ قال ابن جرير: أي: بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه، لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل.

﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى ﴾ أي: فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله، له وعليه، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما ﴿ فقاتلوا التي تبغي ﴾ أي: تعتدي وتأبى الإجابة إلى حكم الله ﴿ حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ أي: ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه ﴿ فإن فآءت ﴾ أي: رجعت الباغية، بعد قتالكم إياهم، إلى الرضا بحكم الله في كتابه ﴿ فأصلحوا بينهما بالعدل ﴾ أي: بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه ﴿ وأقسطوا ﴾ أي: اعدلوا في كل ما تأتون وتذرون. ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ أي: فيجازيهم أحسن الجزاء.

تنبيهات

الأول: قال القاشاني: الاقتتال لا يكون إلا للميل إلى الدنيا، والركون إلى الهوى، والانجذاب إلى الجهة السفلية، والتوجه إلى المطالب الجزئية. والإصلاح إنما يكون من لزوم العدالة في النفس التي هي ظل المحبة، التي هي ظل الوحدة، فلذلك أمر المؤمنين الموحدين بالإصلاح بينهما، على تقدير بغيهما. والقتال مع الباغية على تقدير بغي إحداهما، حتى ترجع. لكون الباغية مضادة للحق، دافعة له.

وقد روي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه بالنعال والأيدي، لا بالسيوف، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فحجز بينهم وأصلح. روي ذلك من طريق عديدة، مما يقوي أن القتال الذي نزلت فيه كان حقيقيا.

ويروى عن الحسن أن الاقتتال بمعنى الخصومة، والقتال بمعنى الدفع مجازا. قال: فيما رواه الطبري عنه: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى الحكم، فيأبون أن يجيبوا، فأنزل الله: ﴿ وإن طآئفتان ﴾ إلى قوله: ﴿ فقاتلوا التي تبغي... ﴾ الآية. يقول: ادفعوا إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع. انتهى.

ولا يخفى أن المادة قد تحمل على حقيقتها ومجازها فتتسع لهما. وقد قال اللغويون: ليس كل قتال قتلا. وقد يفضي الخصام إلى القتل، فلا مانع أن يراد من الآية ما هو أعم، لتكون الفائدة أشمل - والله أعلم.

الثاني: في (الإكليل): في الآية وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي، وقتال البغاة وهو شامل لأهل مكة كغيرهم، وأن من رجع منهم وأدبر لا يقاتل، لقوله: ﴿ حتى تفيء ﴾. انتهى.

وقد روى سعيد عن مروان قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن.

وقد اتفق الفقهاء على حرمة قتل مدبرهم وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم.

وعصمة الأموال تابعة لدينهم، ولذا يجب رد ذلك إليهم إن أخذ منهم. ولا يضمنوا ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال. ومن قتل من أهل البغي غسل وكفن وصلي عليه، فإن قتل العادل كان شهيدا، فلا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه قتل في قتال أمره الله تعالى به، كشهيد معركة الكفار.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦٧٠