" إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم "
فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: كلمة سمعها معاوية من رسول الله، نفعه الله بها.
وروى الإمام أحمد عن دجين، كاتب عقبة، قال: قلت لعقبة: إنا لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم! قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم! قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دجين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم! فقال له عقبة: ويحك! لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيى موؤودة من قبرها! ".
وروى أبو داود عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ".
قال الأوزاعي: ويدخل في التجسس استماع قوم وهم له كارهون.
﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا ﴾ أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب، ما يكره المقول فيه ذلك، أن يقال له في وجهه. يقال: غابه واغتابه، كغاله واغتاله، إذا ذكره بسوء في غيبته. ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ﴾ أي: فلو عرض عليكم، نفرت عنه نفوسكم، وكرهتموه. فلذا ينبغي أن تكرهوا الغيبة. وفيه استعارة تمثيلية، مثل اغتياب الإنسان لآخر بأكل لحم الأخ ميتا.
لطائف
الأولى: قال الزمخشري: ﴿ أيحب أحدكم ﴾.. إلخ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى: منها - الاستفهام الذي معناه التقرير (وهو يفيد المبالغة من حيث إنه لا يقع إلا في كلام مسلم عند كل سامع، حقيقة أو ادعاء).
ومنها: جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة.
ومنها: إسناد الفعل إلى (أحدكم)، والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك.
ومنها: أن لم يقتصر تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخا.
ومنها: أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ، حتى جعل ميتا. انتهى.
وقال ابن الأثير في (المثل السائر) في بحث الكناية: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ أيحب أحدكم ﴾ إلخ فإنه كنى الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة. فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له، مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله. فأما جعل الغيبة كأكل لحم الإنسان لحم إنسان آخر مثله، فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة. وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها، آمران بتركها، والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته. ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه. فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة. وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة، والشهوة لها، مع العلم بقبحها فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها، وجدتها مناسبة لما قصدت له. انتهى.
الثانية: الفاء في قوله تعالى: ﴿ فكرهتموه ﴾ فصيحة في جواب شرط مقدر. والمعنى: إن صح ذلك، أو عرض عليكم هذا، فقد كرهتموه، فما ذكر جواب للشرط، وهو ماض فيقدر معه (قد) ليصح دخول الفاء على الجواب الماضي، كما في قوله تعالى:
فقد كذبوكم بما تقولون
[الفرقان: 19] وضمير ﴿ فكرهتموه ﴾ للأكل، وقد جوز كونه للاغتياب المفهوم منه. والمعنى: فاكرهوه كراهيتهم لذلك الأكل. وعبر عنه بالماضي للمبالغة، فإذا أول بما ذكر يكون إنشائيا غير محتاج لتقدير (قد) - أفاده الشهاب.