" حسن المصاحبة أن يطعمهما إذا جاعا وأن يسكوهما إذا عريا ثم قال: ﴿ واتبع سبيل من أناب إلى ﴾ "
يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة ثم استأنف فقال ﴿ ثم إلي مرجعكم ﴾ [في الآخرة وقال بعضهم: إنما أتم الكلام عند قوله: واتبع سبيل من أناب إلي يعني دين من أقبل على الطاعة ثم استأنف الكلام فقال: ثم إلي مرجعكم] تكرارا على وجه التأكيد ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ يعني: فأجازيكم بها ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: ﴿ يبني إنهآ ﴾ يعني الخطيئة ﴿ إن تك ﴾ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى فرد عليه لقمان وقال: يا بني إنها إن تك يعني الخطيئة إن تك ﴿ مثقال حبة من خردل ﴾ يعني وزن خردلة ﴿ فتكن فى صخرة ﴾ أي الصخرة التي هي أسفل الأرضين وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة لأنه قال بلفظ النكرة يعني ما في جوف الصخرة الصماء وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض وهي خضراء مجوفة ثم قال: ﴿ أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله ﴾ يعني يجازي بها الله أي يعطيه ثوابها ويقال: يأت بها الله عند الميزان فيجازيه بها، ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يأت بها الله يعني يعطيه ثوابها عز وجل كقوله:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7] يعني يرى ثوابه قرأ نافع مثقال بضم اللام وقرأ الباقون بالنصب فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن ومن قرأ بالنصب جعله خبرا، والاسم فيه مضمر ومعناه إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة، وإنما قال إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة فكان المعنى للحبة، وقيل: أراد به الخطيئة ومن قرأ بالضم جعله اسم تكن ثم قال ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ يعني لطيف باستخراج تلك الحبة خبير بمكانها وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن لطيف وللشيء الصغير لطيف ويقال للمشفق لطيف ثم قال عز وجل: ﴿ يبني أقم الصلاة ﴾ يعني أتم الصلاة ﴿ وأمر بالمعروف ﴾ يعني التوحيد ويقال: أظهر العدل ﴿ وانه عن المنكر ﴾ وهو كل ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ولا معروف في العقل ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ يعني إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فأصابك من ذلك ذل أو هوان أو شدة فاصبر على ذلك ف ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ يعني من حق الأمور ويقال: من واجب الأمور وصارت هذه الآية بيانا لهذه الأمة وإذنا لهم أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل ثم قال تعالى ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم ولا تصعر بالتشديد بغير ألف وقرأ الباقون ولا تصاعر بالألف والتخفيف وهما لغتان، ومعناهما واحد، يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما الاعراض على جهة الكبر يعني لا تعرض بوجهك عن الناس متكبرا، وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين وهكذا قال الكلبي وقال العتبي: أصله الميل ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين، ويقال: معناه لا تكلم أحدا وأنت معرض عنه فإن ذلك من الجفاء والإذاء ثم قال: ﴿ ولا تمش فى الأرض مرحا ﴾ يعني لا تمشي بالخيلاء والمرح والبطر والأشر كله واحد وهو أن يعظم نفسه في النعم ﴿ إن الله لا يحب كل مختال فخور ﴾ يعني مختالا في مشيته فخورا في نعم الله عز وجل ﴿ واقصد فى مشيك ﴾ يعني تواضع لله تعالى في المشي ولا تختل في مشيتك، ويقال: أسرع في مشيتك لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء ﴿ واغضض من صوتك ﴾ يعني: اخفض ومن صلة في الكلام اخفض كلامك ولا تكن سفيها ثم ضرب للصوت الوضيع مثلا فقال: ﴿ إن أنكر الأصوت ﴾ يعني أقبح الأصوات ﴿ لصوت الحمير ﴾ لشدة أصواتها وإنما ذكر صوت الحمير لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس قوله عز وجل ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ﴾ يعني قل يا محمد لأهل مكة ألم تروا أن الله ذلل لكم ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ كل ذلك من الله تعالى يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة ﴾ فالظاهرة التي يراها الناس والباطنة ما غاب عن الناس.