ليس بمتحرك وال ساكن، ولكنه كأن، والكون به ليس بحركة ولا سكون. وهذا ما صار إليه الفلاسفة المعترفون بخلق الجواهر. وإنما صار هؤلاء إلى ما قللناه لأن الحركة إنما هي كون في مكان بعد الكون في غيره، وهي في التحقيق زوال. وإنما يتحقق الزوال بتفريغ مكان وشغل آخر. وإنما يتصور ذلك في قتين، والمسألة مفروضة في الحالة الأولى. فقد وضح أن ذلك الكون ليس بحركة. ويستحيل أن يكون سكوناً أيضاً، فإن الكون ينبئ عن لبث، وليس يتحقق اللبث ي الحالة الواحدة، كما لا يتحقق البقاء في الحالة الواحدة. ولو جاز وصف الجوهر في الحالة الأولى بكونه ساكناً، جاز وصفه بكونه. فهذا أقصى ما تمسك به هؤلاء.
والذي ارتضاه القاضي رضي الله عنه: أنا الكون القائم بالجوهر في حال حدوثه سكون. وقطع القول بذلك، إذ لا يكون تقدير الكون حركة من حيث كانت الحركة زوالا، فهو سكون إذا. واستدل على ذلك بأن قال: إذا بقي الجوهر في حيزه الأول والأكوان تتجدد عليه من حيث استحال بقاؤها، فإذا ثبت في الحالة الثانية كون والجهر مستقر في حيزه الأول، فهذا الكون الثاني من جنس الكون الأول. فإن خاصية الكون إيجابه تخصص الجوهر بمكان أو تقدير مكان. فإذا أوجب الثاني مع تقدير بقاء الجوهر ما أوجبه الأول، فقد ثبت بأنهما مثلان، ثم الكون الثاني سكون، فكذلك الأول.
وانفصل القاضي عما قاله ناصر المذهب الأول من قوله إن السكون لبث، وليس يتحقق اللبث في الحالة الواحدة، فقال القاضي رضي الله عنه مجيباً: هذا قول من لم يحصل علم الباب، فإنا لو شرطنا في تثبيت السكون ما ذكره هذا القائل، لما تصور سكون أصلا، إذ السكون عرض والعرض يستحيل بقاؤه. فما من كون إلا ويوجد دائماً، بل يوجد ويعدم كما وجد، فينبغي أن لا يوصف كوناً يكونه سكوناً، أو يزعم أن اسم السكون ينطلق على كونين متعاقبين في وقتين، فلا يرجع السكون إلى معنى واحد. وهذا ما لم يصر إليه صائر من أهل التحقيق.