فإن قالوا: لو كان الأمر على ما قررتم، لكانت رمانة القبان أجسم من الخشبة العريضة من حيث كثرت أجزاؤها، وأربت على أجزاء الخشبة. ونحن أن الخشبة إذا كانت أكبر في رأى العين من الرمانة فيقال: الخب أجسم من الرمانة، وهذا الذي قالوه يناقض ما قدموه، فإنهم أنكروا قبل ذلك لفظ الأجسم في الجمادات، ثم أثبتوا ما أنكروه وألزموه في معرض آخر. على أكثر من أجزائها، ويطلق الأجسم على هذا الاعتقاد بلا شك فيه، وهو صواب في مقصد اللغة وإن كان زللا في المعنى.
على أنا إذا جعلنا الثقل الأجرام من الأعراض، لم نستبعد كون أجزاء الخشبة أكثر من أجزاء الرمانة، فاندفع ما موهوا به. ومما يعترضون به أن قالوا: نجد العرب تقول: هذا قديم وهذا أقدم منه، وهذا حديث وهذا أحده منه، ثم لا يرجع قولهم في الأقدم والأحدث إلى إثبات زيادة يتخصص بها أحد الموجودين، وهذا غير سديد أيضاً. فإنا نعلم قطعاً أنهم في إطلاق الأقدم والأحدث يعتقدون تفاضلا في معنى قدروه، أصابوا فيه أم أخطأوا، فهذا إذا لا يجزم ما مهدناه من اقتضاء المبالغة. ثم إن قدر على أهل اللغات زلل في المعاني، فليس ذلك قادح ي موضوع اللسان، ووجب حمل هذا البناء على المبالغة عموماً. ثم إن صح المعنى فقد تجمّع اللفظ والمعنى. والذي رمناه معنى صحيح وهو التليف.
على أنا نقول: راموا بالأقدم الإنباء عن كثرة مرور الأوقات وكرورها على أحدهما، وإلى قريب من ذلك أشاروا في الحديث والأحدث. فاستقرت الدلالة، واندفع عنها كل ما أوردوه.
فإن قالوا: لو قدرنا عَرض جوهرين متألفين على العرب، وراجعناهم في تسميته جسماً، لأبدوا فيه أعظم التكبر، إذ الجسم في اطلاقهم ينبئ عن الكثافة، وهم لا يسمون جزأين كثيفا.