ثُم ذكر الحافظ هذه الأجوبة مع الجواب عنها. ثُم قال: ((ويقوي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم ... )) ثُم ساق الحديث، وقد ذكرته في الحديث المتقدم من طريق طاوس.
وجملة القول أن حديث الباب ضعيف، وأن حديث ابن عباس المعارض له أقوى منه. والله أعلم". انتهى كلام الشيخ على هذا الحديث.
قلت:
1 - لا أدري كيف يرجح الشيخ الحديث المتصل الصحيح على الحديث الذي فيه مجهول؟!
2 - قوله بترجيح حديث ابن جريج لأنه من طريق عبدالرزاق عجيب! فهل رواية عبدالرزاق له تنفي عن الإسناد الجهالة؟!
3 - ترجيح أبي داود لحديث نافع أولى عندنا من ترجيح الألباني. قال أبو داود: "وهذا -أي حديث طلاق البتة-أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به. وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس".
وقال الخطابي: "في إسناد هذا الحديث مقال؛ لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع، ولم يسمه، والمجهول لا تقوم به الحجة ".
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (10/ 168): "وهذا لا يصح؛ لأنه عن غير مسمى من بني أبي رافع، ولا حجة في مجهول، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيدالله وحده، وسائرهم مجهولون".
قلت: بل بني أبي رافع مشهورون وإن كان بعضهم ضعفاء، وابن حزم يسرف في تجهيل الرواة!
وقد ذكر المزي في ((تهذيب الكمال)) (35/ 92): "عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة الحديث. ممن روى عنه ابن جريج من ولد أبي رافع الفضل بن عبيدالله بن أبي رافع. روي عنه عن جده أبي رافع في الأمر بقتل الكلاب".
وكأن ابن حجر مال إلى ذلك، فقال في ((تهذيب التهذيب)) (12/ 400): "يحتمل أن يكون هو الفضل بن عبيدالله بن أبي رافع". وقال في ((التقريب)) (ص735): "كأنه الفضل بن عبيدالله بن أبي رافع".
قلت: هذا بعيد! لأن ابن جريج يروي عن رجل عن الفضل. فروى حديث الأمر بقتل الكلاب عن عباس بن أبي خداش عن الفضل عن جده أبي رافع.
وذكر ابن حجر هذا الحديث وحديث نافع بن عجير في ((الإصابة)) (4/ 385) ثُم قال: "إن كان خبر ابن جريج محفوظاً فلا مانع أن تتعدد القصة، ولا سيما مع اختلاف السياقين. وشيخ ابن جريج الذي وصفه بأنه بعض بني رافع لا أعرف من هو؟ ".
قلت: اتفق أهل العلم أن عبد يزيد والد ركانة لم يدرك الإسلام فكيف تقع القصة له ولابنه؟!
4 - رواية الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 533) من طريق يزيد بن المبارك عن محمد ابن ثور عن ابن جريج عن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: أنى له الصحة ومحمد بن عبيدالله منكر الحديث! والصواب في تحديد بعض بني رافع هو هذه الرواية، فإن محمد بن ثور من الثقات، وكأن ابن جريج كان يبهمه أحياناً فيقول عن بعض بني رافع، وسماه مرة، فضبطه عنه محمد بن ثور.
ومحمد بن عبيدالله بن أبي رافع قال فيه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (1/ 171): "منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء".
فإذا تبيّن هذا فيكون محمد بن عبيدالله بن أبي رافع سمع هذا الحديث من داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، فأسقط داود من الرواية وأتى بهذا الخبر المنكر.
5 - كيف قوّى الألباني حديث ابن جريج بحديث داود بن حصين؟! فحديث ابن جريج رجع إلى حديث داود كما بينته. وإن كنت مخطئاً في هذا فكيف يكون هذا الذي من بعض بني رافع تابعه داود؟! فالأول القصة فيه لوالد ركانة ولم يدرك الإسلام، والثاني لركانة، ومتنه يختلف عن الأول!
6 - كيف لا يَلتفت الألباني إلى قول البيهقي بأن ثمانية رووا عن ابن عباس خلاف هذا الحديث الباطل؟! فلماذا نقله إذن وسكت عنه؟!