قاعدةٌ في نقد المتن.
حديثُ جبريل ودسّ الطين في فَم فِرعون!
بقلم: أبي صهيب خالد الحايك.
إنّ نقد المتن من الأمور المهمة التي تنبّه لها الأئمة النقاد من أهل الحديث، فأعلوا أحاديثَ لنكارة متونها.
وهذا النقد لم يكن جُزافاً هكذا كما هو منتشرٌ في أيامنا هذه، فإذا سمع أحدهم حديثاً لم يوافق عقله! فإنه يرده ويقول بأنه نقد متنه!
نعم، نقد المتن لحديث ما يكون بعدة أمور: لمخالفته ما جاء في القرآن الكريم أو ما جاء في السنة الثابتة، أو مخالفة حقيقة تاريخية ثابتة، وغير ذلك.
· أقسام نقد المتن:
ونقد المتن ينقسم إلى عدة أقسام:
الأول: نقد متن حديث إسناده صحيح.
الثاني: نقد متن حديث إسناده ضعيف.
الثالث: نقد متن حديث مختلف في إسناده.
أما الأول: فإن الأئمة النقاد إذا استنكروا متن الحديث وكان إسناده صحيحاً تطلبوا له علة في الإسناد ولو كان ظاهره صحيحاً، فإن لم يجدوا أعلّوه بالتدليس وإن لم يُعرف رواته أنهم مدلّسون كما قرره الإمام الناقد المعلمي اليماني يرحمه الله.
قال رحمه الله في ((مقدمة الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة)) (صفحة: ح): "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر، فمن ذلك: إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس، أعلّ البخاري بذلك خبراً رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة. تراه في ترجمة عمرو من التهذيب ... ".
وهذه قاعدة تكتب بماء الذهب.
وأما الثاني: فإن نكارة المتن تؤكد ضعف الإسناد.
وأما الثالث: فنقد المتن بنكارته تكون مرجحاً لضعف الإسناد المختلف فيه.
والحاصل أن الأئمة النقاد لا يعلّون حديثاً بنكارته إلا إذا اطلعوا على علّة ما في الإسناد، عرفها بعضهم، وخفيت على الآخرين، وحُسن الظن بهم، وبراعتهم في هذا العلم، ومنهجهم الذوقي في النقد، تجعلنا نطمئن إلى تعليلاتهم في هذا الباب، وإن لم نقف على ما اطلعوا عليه.
وهذا الحديث الذي بين أيدينا سنده صحيح، ولكن في متنه نكارة، ولم أجد لأهل الحديث كلاماً في سنده ولا متنه!
وهو منتشرٌ في كثير من المواقع الإلكترونية الإسلامية، وكلهم ينقل قول الترمذي وغيره بأنه حديث حسن أو حديث صحيح.
وقد احتج بهذا الحديث بعض أعداء الله من عُبّاد الصليب الحاقدين على بعض مواقعهم الإلكترونية في الطعن بجبريل ووصفه بأوصاف سيئة، على فعلته هذه بحسب ما جاء في الحديث، وأنه وقف عائقاً بين فرعون وبين توبة الله عليه! لعنة الله على أعداء الإسلام.
وكنت عزمت منذ فترة طويلة على تخريج هذا الحديث والكلام عليه، لما في متنه من نكارة واضحة، وهي: كيف يفعل جبريل ذلك، والملائكة عباد يفعلون ما يؤمرون، وظاهر الحديث أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه، فكيف يُقدم على هذا الأمر؟ ولم أقنع بأجوبة بعض أهل العلم من أهل التفسير في حلّ هذا الإشكال.
ومع قناعتي بأن في متنه نكارة تطلبت له علّة إسنادية.
وآن الأوان بالشروع في ذلك، مستعيناً بالله عزّ وجلّ، فأقول:
· تخريج الحديث:
هذا الحديث له طريقان مشهوران:
الأول: عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، مرفوعاً وموقوفاً.
الثاني: عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً.
أما الطريق الأول:
فرواه شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء، ومرة عن عدي وحده، واختلف عليه في وقفه ورفعه:
فرواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (ص341) عن شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حَال البحر فأدسه في فِي فرعون مخافة أن تدركه الرحمة)).