«السَّننُ الأَبين» في حكم حديث: «يَخْرُج من عَدَنِ أَبْيَنَ».
بقلم: أبي صهيب خالد الحايك
لقد حذر أهل العلم قديماً من أحاديث الملاحم والفتن؛ لأن كثيراً منها لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما صحّ منها فلا يجوز إسقاطه على الواقع المُعاش بحالٍ من الأحوال! لأن في ذلك الرجوع بالخُلف على هذه الأحاديث إن لم يتحقق ما فيها!!
ومع الأحداث المتسارعة الآن في بلادنا المسلمة الحبيبة شرقاً وغرباً، ومع انتشار سرعة المعلومات تطغى بعض الأحاديث على الواقع ويسعى بعض المسلمين الغيورين الصادقين في تطبيقها، بل وفي إيجادها ظناً منهم أنهم هم المقصودون بها!
وكان فيما انتشر منها: حديث «عدن أبين» وخاض كثير من الناس في تحقق ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن خروج هؤلاء هو الذي سيحرر القدس وهو يمهد لظهور المهدي، وغير ذلك مما يعتقده هؤلاء الصادقين الذين - والله - لا نشكك في نياتهم وعملهم.
وما جاء في حديث أبين أنه بشارة، والبشارات - إن صحت- لا يُبنى عليها عمل بقدر ما هي لتثبيت الفؤاد عندما يستحِر قيظ الأحداث ويتطاول الأحداث، وفي الوقت نفسه لا نريد أن يُكذَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتحقق ما في هذه البشارة التي يعتقد صحتها بعض الناس.
وعليه فلا بدّ لنا من وقفة نقدية مع هذا الحديث لنرَ: هل صحّ عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم أم لا؟
· تخريج الحديث والحكم عليه:
رواه الإمام أحمد في «المسند» (1/ 333) برقم (3079) قال: حدثنا عبدالرَّزَّاقِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بن النُّعْمَانِ الأَفْطَسِ، قال: سمعت وَهْباً يُحدِّث عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ من عَدَنِ أَبْيَنَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، هُمْ خَيْرُ من بيني وَبَيْنَهُمْ».
قال لي مَعْمَرٌ: "اذْهَبْ فأسأله عن هذا الحديث".
ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/ 56) عن إِسْحَاق الدَّبَرِيّ، قال: أخبرنا عَبْدُالرَّزَّاقِ، به.
ورواه ابن معين في الجزء الثاني من «فوائده» (ص155) قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بنِ النُّعْمَانِ الْأَفْطَسِ، به.
ورواه أبو يعلى في «مسنده» (4/ 305) قال: حدثنا عبدالأعلى بن حماد النرسي، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن منذر، به.
قال المعتمر: "أظنه قال: في الأعماق".
قلت: فالحديث رواه جماعة عن المنذر بن النعمان الأفطس، وتفرد به عن وهب، وتفرد به وهب عن ابن عباس!!
وقد ذكر هذا الحديث في «المنتخب من علل الخلال» في (باب: في عدن والزنج والبربر) برقم (14) عن عِصْمَة، قال: حدثنا حَنْبَلٌ، قال: حدثنا أَبُو عَبْدِاللَّهِ، قال: حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، فذكره.
قَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ: "الْمُنْذِرُ بنُ النعمان: ثقة صَنْعَانِيٌّ، لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ مُسْنَدٌ غَيْرَ هذَا".
قلت: ما جاء هنا من توثيق أحمد للمنذر هو عمدة من صحح هذا الحديث!! وهذا ليس بصواب لأمور:
الأول: أن الحديث وارد في الأبواب التي روي فيها الأحاديث المنكرة! فهذا الحديث هو مما روي في فضل (عدن أبين) وهو منكر!
الثاني: أن عادة الإمام أحمد أنه ينبه على مثل هذه المناكير فيما نقل عنه من الكتب التي سميت بكتب العلل، وهذا منه لئلا يتوهم أحد أن مثل هذه الأحاديث صحيحة.
الثالث: أستبعد أن يوثق الإمام أحمد المنذر هذا! وأخشى أن يكون سقط من النسخة كلمة: "ليس" فيكون قوله فيه: "ليس بثقة"؛ لأن الإمام أحمد قال بعد ذلك: "ليس في حديثه مسند غير هذا"! وهذا ذمٌ له، فكيف يكون وثقه في الجزء الأول من كلامه، ثم يذمه في الجزء الثاني؟!!
والمنذر هذا صنعاني يمني، والحديث في فضل عدن أبين اليمنية، وهذا أشبه بالموضوع! وهو حديث باطل قطعاً، ويؤيده: