سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (10).
قال علِيّ بن المدينيّ: لم أَجد لابنِ إِسْحَاقَ إِلا حديثين مُنْكَرَيْنِ: نافعٌ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَة»، والزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ» ...
قال يعقوب بن سفيان الفَسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 27):
قال عَلِيٌّ: "لمْ أَجِدْ لِابنِ إِسْحَاقَ إِلَّا حديثين منكرين: نافع عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، والزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ: إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ، هَذان لَمْ يَرْوِهِمَا عَنْ أَحَدٍ، والباقونَ يَقُولُ: ذَكَرَ فُلَانٌ، ولكِنَّ هَذَا فِيهِ: حَدَّثَنَا» ".
ذكر الدكتور إبراهيم اللاحم في كتابه «الاتصال والانقطاع» (ص 212) هذا النص في معرض كلامه عن التدليس بعد قوله: "وفي أحايين كثيرة يكون الرمي بالتدليس من قبل الأئمة قصد به المنافحة عن الراوي، وذلك بتبرئته من أحاديث منكرة يرويها، فيدفعون عنه تعمد الكذب أو الغلط، كما قال أحمد في داود بن الزبرقان: إنما كتبت عنه حديثاً، وما أراه يكذب، ولكن كان يدلس".
ثم قال في تفسير قول عليّ بن المديني عن ابن إسحاق: "مراد ابن المديني أن المناكير التي في حديث ابن إسحاق سببها أنه يروي عن ضعفاء، ومجاهيل، ثم يسقطهم تدليساً، فإذا صرح بالتحديث فالمناكير في حديثه قليلة".
قلت: هذا التفسير من الدكتور فيه نظر، وقصر نظر!
أما قوله: "إن الأئمة يرمون بالتدليس للمنافحة عن الراوي ... " إلخ! فهذا غير صحيح!
فالرمي بالتدليس من الأئمة للرواة هو على أصله في بيان أحوالهم وأنهم يدلسون، لكنهم كما في قول أحمد في داود بن الزبرقان يبيّنون أن ما يظن أنه كذب في حديث هؤلاء إنما هو بسبب أنهم يدلّسون.
فهم يُبينون أن هذه المنكرات إنما هي بسبب التدليس لا أنه رمي بالتدليس من أجل تبرئته.
فالذي يُفهم من كلامه أنهم يصفون هؤلاء بالتدليس من أجل المنافحة عنهم ودفع الكذب عنهم!! وهذا ليس بصحيح! فوصفهم بالتدليس موجود، وإنما احتاجوا لذكره ليبينوا أنه هو السبب في وجود هذه المنكرات في أحاديثهم.
وقول ابن المديني الذي ذكره في ابن إسحاق لا يدخل في هذا أيضاً! وفهم الدكتور لا يستقيم.
فابن المديني لا يريد أن يبين أن المناكير في حديث ابن إسحاق بسبب أنه يروي عن الضعفاء والمجاهيل ويسقطهم تدليساً! فإذا ما صرح بالتحديث قلت المناكير في حديثه!!!
وقد نقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (7/ 51): وقال ابنُ المَدِيْنِيِّ: "إِنَّهُ - أي: ابن إسحاق- لَيَبِيْنُ فِي حَدِيْثِهِ الصِّدْقُ، يَقُوْلُ مَرَّةً: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، وَمَرَّةً ذَكَرَ أَبُو الزِّنَادِ. وَيَقُوْلُ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بنُ سَعِيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ - وَهُوَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ - عَنْ أَبِي النَّضْرِ. ويَقُوْلُ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بنُ دِيْنَارٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ فِي: «سَلَفٍ وَبَيْعٍ»، وهُوَ مِنْ أَرْوَى النَّاس عَنْ عَمْرٍو.
ولَمْ أَجِدْ لَهُ سِوَى حَدِيْثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ: نَافِعٌ: عَنِ ابنِ عُمَرَ، فِي: «النُّعَاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ»، والزُّهْرِيُّ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ» ".
قلت: فابن المديني يُبيّن أن ابن إسحاق كان يبين في حديثه من حدثه، وإذا لم يسمعه من شيخه لا يذكر أنه سمعه منه، بل يقول: "ذكر"، أو يبين الواسطة بينه وبين شيخه، إلا في حديثين فإنه رواهما عن شيخين له، وهما نافع والزهري، وكلا الحديثين من مناكيره، بمعنى أنه تفرد بهذين الإسنادين؛ لأن المعروف في هذين الحديثين بخلاف ما رواه!