سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (3).
قِيل لأَبِي سَعِيد أَحمدَ بنِ دَاوُدَ الحَدَّادِ: إِلى كَمْ تَكْتُبُ الحَدِيثَ؟ قال: «أُخْرِجُ جِذْعًا وأُدْخِلُ سَاجَةً».
أخرج ابن عدي في «الكامل» (1/ 264) قال: حَدَّثَنَا عَبداللَّهِ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ الأَشْعَثِ: حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عَبدالمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، قَال: قِيل لأَبِي سَعِيد أَحْمَدَ بنِ دَاوُدَ الحَدَّادِ: إِلَى كَمْ تَكْتُبُ الحَدِيثَ؟ قال: «أخرج جذعًا وأدخل ساجة».
وأخرجه الخطيب في «تاريخه» [تحقيق بشار] (5/ 229) من طريق مُحَمَّد بن العَبَّاس الخزاز، عن أَبي بَكْر بن أَبِي دَاوُد - وهو عبدالله بن سليمان بن الأشعث -، به.
قلت: كلمة الحداد شيخ الإمام البخاري - رحمهما الله- هذه تصحفت في كلّ طبعات الكتابين!
والساج نوع من أنواع الخشب في الهند، غالي الثمن، عظيم الجودة، يُستخدم في البناء وخاصة في بناء السفن لقوته ومتانته وثقله في الماء.
وفي «تهذيب اللغة» (11/ 98): "الساجةُ، الخَشَبة الوَاحدة المشَرْجَعَةُ المُرَبّعة كَمَا جُلِبت من الهِنْد، وجَمْعها السَّاج.
وقَالَ ابن الأعرابيّ: يُقَال للسَّاجَة الَّتِي يُشَقُّ مِنْهَا البَاب: السَّلِيجَة".
وفي «البناية شرح الهداية» (11/ 214): "الساجة بالسين المهملة وتخفيف الجيم: خشبة عظيمة. وقيل: خشبة منحوتة مهيأة للأساس، والأصح أنها خشبة صلبة قوية تجلب من بلاد الهند لها، ثم تعمل منها الأبواب".
والجِذْعُ بِالكَسْرِ: سَاقُ النَّخْلَةِ، وَيُسَمَّى سَهْمُ السَّقْفِ جِذْعًا، والجَمْعُ: جُذُوعٌ وَأَجْذَاعٌ.
ومعنى قول الحداد - رحمه الله- أنه كلما تقدّم في العلم وكتابة الحديث فإنه يتحصّل له فوائد من رفع موقوف أو وصل مرسل ونحو ذلك، فكأنه يُخرج الجذع الهش من بناء بيته ويضع مكانه ساجة قوية، وهكذا العلم إذا تحصلت فائدة فإنها تزيد من شأن المحدِّث وترفع قدره ليكون ممن يؤخذ عنه العلم لمتانة ما عنده وقوته وذلك أنه لا يزال يجتهد في زيادة علمه.
فالمعنى العام المقصود من كلمة الحداد هذه أنّ طالب العلم لا يقف عند حدّ معين في العلم، فما زال الإنسان يتعلم ويصحح ما كان عنده من أشياء ليست بصحيحة أو محققة، وفي ذلك دعوة لطلبة العلم أن لا يغتروا بما علموه ولا يقفوا عند ذلك، ويجب المواظبة على التحصيل لتصحيح المعلومات وترسيخ المفاهيم حتى يفارق هذه الدنيا كما قال الإمام أحمد «مع المَحبرة إلى المقبرة».
والحداد كان دائم السؤال والاستفهام، فقد روى أَحْمَد بن سنان، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد الحداد، يَقُولُ: استفهمت عَبْدالرَّحْمَن بن مَهْدِيّ يوماً، فَقَالَ لي: كم تستفهم؟ فقلت لَهُ: إن لكل شيء رجحان، ورجحان الحديث الاستفهام، فضحك عَبْدالرَّحْمَن، أو كَمَا قَالَ.
فهذا تفسير قوله - رحمه الله-، فكلّما تحصّل فائدة أو فهماً فكأنه أخرج ما كان ضعيفاً ووضع مكانه الشيء الثابت القوي.
وليس المقصود أنه يكتب العلم حتى الموت، فهذا أمر مشهور ومعروف عند أهل العلم، وقد قيل لسهل بن عبدالله التُّسْتَرِيّ، شيخ الصوفية: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قَالَ: "حَتَّى يموت، ويُصبُّ باقي حبره في قبره".
وهذا المعنى لا يختلف فيه أهل العلم، لكن الذي قصده الحداد ليس هذا، وإنما قصد ما ذكرناه آنفاً، ويؤيده أنه قيل لعبدالله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن: إلى متى تكتب هذا الحديث؟ فقال: "لعل الكلمة التي انتفع بها ما كتبتها بعد".
فالذي قصده الحداد هو الانتفاع بهذا العلم، فكلما حصّل فائدة قوي علمه. والأخ لم يُدقق في اللفظ: "أخرج" و"أدخل"، و"جذعاً" و"ساجة"، فهذه كلمات متقابلة تبيّن المعنى، فمقابل الخروج: الدخول، ومقابل الجذع: الساجة، والجذع والساجة يذكران على الحقيقة المعروفة عند السامع لا معنى آخر إلا بقرينة، فلا تُحمل كلمة "جذعا" إلى معنى آخر إلا بقرينة! فالأصل أن الجذع هو خشب النخلة وهو ليس بمتانة خشب الساج! ولهذا قابلهما الحداد في كلامه.