قلت: أحمد لم يشك في صحتها! بل هو سمعها من أسباط هكذا، ولهذا قال: "كذا قال أسباط"، ولأنه يعلم أن إبراهيم لم يسمع من ابن عباس ضرب على السماع الذي ذكره أسباط، واستبدله بـ «عن».
وهذا لا يؤيد سماع إبراهيم من ابن عباس! بل ينفيه؛ إذ لو كان صحيحاً عند أحمد لما استبدل السماع بالعنعنة، ويوضح ذلك قول أحمد السابق لأبي زرعة، ونفيه أن إبراهيم لم يسمع من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتب: أبو صهيب خالد الحايك
«نفحات القُدس» في نقد مرويات فرح المسلمين لانتصار الروم على الفُرس.
الحمد لله الذي ناصر عباده المؤمنين في كلّ زمان وحين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، إمام المجاهدين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد انتشر القول بجواز الفرح إذا ظهر بعض الكفّار على غيرهم من جنسهم لما جاء في قوله سبحانه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ...
وهذه الآيات تُبيّن الحرب التي كانت بين أقوى دولتين على الأرض في ذلك الزمان: الفرس والروم.
ونجد في كتب التفسير إلى أن فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس؛ - وكلاهما من الكفار - لأن الفرس يعبدون النار، والروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون في الجاهلية يُحبّون ظهور الفرس على الروم.
ولما ظهر الفرس على الروم فغلبوهم فرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس.
واعتمدوا في ذلك على بعض الروايات، وسنعرض لها ونتكلم عليها بإذن الله عزّ وجلّ.
والعجيب كيف يفرح المسلمون لانتصار كفّار على كفّار؟! والتعليل بأن الفرس كانوا يعبدون النار، والروم من أهل الكتاب تعليل عليل!! بل إنّ المسلم يفرح لقتل الكفار بعضهم بعضا.
وكيف يريد المشركون انتصار الفرس على الروم وعلاقة قريش وتجارتهم كانت مع الروم؟!! وبلاد الفرس بعيدة عنهم!!
وهل كان لمشركي العرب تلك العناية بما يحدث بين الفرس والروم من حروب حتى يغيضوا بعض الأفراد ممن أسلم حينها في مكة!! حيث لم يكن للمسلمين قوة ولا عدد كبير!!! ولم تكن لهم العناية بأن هؤلاء أهل كتاب وهؤلاء يعبدون النار!!
وكيف يُضاف نصر كفار على مثلهم لله!! ﴿بنصر الله﴾.
والأعجب من هذا أن بعض أهل العلم نسبوا الحزن للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين غُلبت الروم، فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بِضْع سنين؛ تسليةً له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كما يقول الشعراوي في مواضع من تفسيره!!!
والذي أراه أن الآيات تتحدث عن أمر غيبي، أخبر به الله نبيه صلى الله عليه وسلم وحصل كما قال في بضع سنين ...
وكنت منذ سنوات أستنكر هذه القصة الواردة في ذلك! وجمعت فيها أشياء، فنشطت إلى تحقيقها بفضل الله عزّ وجلّ.
وأُنبه إلى أمر وهو أن تمني المسلم زوال الشر أو تقليله فذاك أمر فطري لا يتنازع فيه العقلاء، لكن لا بدّ من تعليم الناس الولاء والبراء لئلا يذوبوا في محبة الكفر وأهله!
ولا بدّ من بيان صحيح الحديث من سقيمه، ولا تلازم بين صحة المدلول وصحة هذا الدليل بعينه ..
وباسمه سبحانه نبدأ، وعليه نتوكل، ونسأله سبحانه أن يفتح علينا ...
·…حديث نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ الأَسلميّ:
روى عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَاد، عن أبيه، عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نيَار بنِ مُكرَم الْأَسْلَمِيِّ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ، ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فَكَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَاهِرِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ولا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، قال نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ: فَذَاكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ. زَعَمَ صَاحِبُكَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قالَ: بَلَى - وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ - فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالمُشْرِكُونَ، وتواضَعُوا الرِّهَانَ، وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ: ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَسمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ. قَالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ. قَالَ: فَمَضَتْ سِتُّ السِّنِينَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا، فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ، قالَ: لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قَالَ: فَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ.