منهج البخاريّ في إثبات السماع في ((التاريخ الكبير)) (2).
قراءة في ترجمة للبخاري في تاريخه الكبير.
بقلم: أبي صهيب الحايك.
3 - قد يكون السماع ثابت بين الراوي وبين شيخه، ولكن لا يذكره البخاري لما في إسناد الحديث من اختلاف.
ومن أمثلة ذلك:
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (4/ 191): "سَلِيط بن أيوب الأنصاري: سمع القاسم بن محمد. وعن أمّه عن أم المنذر. وعن ابن رافع الأنصاري. روى [عنه] محمد بن إسحاق".
وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (4/ 287): "سليط بن أيوب الأنصاري. روى عن القاسم بن محمد، وعن أمه عن أم المنذر، وعن عبدالرحمن بن رافع الأنصاري. روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار. سمعت أبي يقول ذلك".
وقال ابن حبان في ((الثقات)) (6/ 430): "سليط بن أيوب الأنصاري، من أهل المدينة. يروي عن القاسم بن محمد. روى عنه ابن إسحاق".
قلت: أثبت البخاري سماعه من القاسم بن محمد وهذا مما لا يُنازع فيه. وأما قوله: "عن أمه عن أم المنذر. وعن ابن رافع"، فلأن في أسانيد هذين الحديثين اختلاف.
أما حديثه عن ابن رافع، فقد رُوي عن سليط من عدة وجوه. فرواه عنه محمد بن إسحاق، واختلف عن ابن إسحاق: فقال محمد بن سلمة الحراني: عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبدالرحمن بن رافع عن أبي سعيد، في بئر بُضاعة. ووهم محمد بن سلمة في قوله: عن عبدالرحمن بن رافع.
وقال إبراهيم بن سعد وأحمد بن خالد الوهبي وشعيب ابن إسحاق عن ابن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع عن أبي سعيد، وهو أشبه بالصواب.
ورواه أبو معاوية الضرير عن ابن إسحاق فلم يقم إسناده وخلط فيه، فقال: عن عبيدالله بن عتبة، ومرة قال: عن عبيدالله بن عمر، وكذلك قال حماد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق. وقال جرير بن عبدالحميد عن محمد بن إسحاق: بلغني عن عبيدالله بن عبدالله ابن رافع عن أبي سعيد، وقد قارب؛ لأن ابن إسحاق رواه عن سليط بن أيوب عن عبيدالله بن رافع. (انظر: علل الدارقطني: 11/ 286).
وأصح طرق الحديث حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي سلمة، كلاهما عن عبيدالله بن عبدالله بن رافع عن أبي سعيد.
ونظراً لهذه الاختلافات في أسانيد هذا الحديث عَدَل البخاري إلى قول: "وعن ابن رافع الأنصاري"، ووهم ابن أبي حاتم في تسميته: "عبدالرحمن بن رافع"، والصواب: "عبيدالله بن عبدالله بن رافع بن خديج".
والخلاصة أن سليط بن أيوب سمع من عبيدالله بن عبدالله بن رافع، ولكن اختلف الرواة على ابن إسحاق فيه.
وأما الحديث الآخر الذي أشار إليه البخاري فوقع في أسانيده اختلاف أيضاً.
روى الإمام أحمد في ((المسند)) (6/ 379) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم، عن أمّه، عن سلمى بنت قيس -وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار- قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، قال: ((ولا تغششن أزواجكن)). قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا. فقلت لامرأة منهنّ: ارجعي، فاسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غش أزواجنا؟ قالت: فسألته؟ فقال: ((تأخذ مالَه فتحابي به غيره)).
ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (24/ 296) في ترجمة ((سلمى بنت قيس، أم المنذر الأنصارية، إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم)) عن عليّ بن عبدالعزيز عن أحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سليط بن أيوب، عن الحكم بن سليم، عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث. (ورواه أبو نعيم في الحلية: 2/ 77، من طريق الطبراني هذا).