مناقشة الحارث بن علي الحسني في منشوراته حول الدفاع عن الصحيحين!
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
فقد سئلت عن مجموعة من المنشورات، نشرها الأخ الشيخ الحارث بن علي الحسني - وفقنا الله وإياه لما يحب ويرضى - حول الدفاع عن صحيحي الإمامين البخاري ومسلم وعنون لها بقوله (فوائد وأصول في صحيحي البخاري ومسلم)، وقد ظهر لي أن فيها ما يوجب التنبيه عليه من الأغلاط والأوهام والإطلاقات، وبعض الإطلاقات لا يمكن أن يصل لها المرء إلا بعد اشتغال طويل بالصحيحين وتخريج كل ما فيهما، بل إن الحافظ ابن حجر ? قد اشتغل بصحيح البخاري نحو أربعين سنة فما أطلق بعض هذه الإطلاقات!
وأهم إشكالية في إطلاقات الأخ الحسني - وفقنا الله وإياه لما يحب ويرضى - أنها لا تقوم على أصول علمية واضحة أو بحوث منهجية ودراسات متكاملة تبين أدلة هذه النتائج التي يطرحها وتثبت ما وصل إليه من هذه الإطلاقات، ومع تتبعي لبعض ما كتب الأخ الحسني فلم أجد له تخريجا موسعا أو بحثا مطولا في شيء من كتاباته، وإنما هي أحكام مجردة ومختصرات ونتائج بلا بحوث، وتقريرات عارية عن الأدلة العلمية المؤصلة.
ومناقشة الدعاوى المرسلة بلا أدلة تعسر من جهة أن الرادَّ عليها لا يجد سوى كلاما إنشائيا يرد عليه، ولو كانَ ثَمَّ حجج لناقشها وفندها أو قبلها.
ولا يماري أحد أن الصحيحين هما العمدة في الحديث الصحيح، وأن منهج الإمامين كان منهجا فريدا.
وسأتناول منشوراته التي تتضمن ملحوظات بالتعليق إن شاء الله، من باب النصح للأمة والدفاع عن العلم، ولولا أنه نشرها علانية ما رددنا عليها علانية، وقد كان هذا الرد جاهزا من يوم التاسع عشر من ربيع الأول، وقد راسلت الأخ الحسني -وفقنا الله وإياه- على هاتفه الخاص مرتين وأعلمته بأنني سأرد عليه ولم أجد منه أي رد أو إجابة -على غير عادته- وقد مرَّ أزيَدُ مِنْ ثلاثةِ أسابيع على ذلك، فبدا لي نشره والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وجزى الله خيرا من قام بتنسيق هذه الورقات وتجهيزها للنشر.
?? قال الحسني: (1) الصَّحيحَانِ خُلاصَةُ صَنِيعِ الأئمَةِ النُّقَّادِ فِي مَنهَجِهِم فِي إستَخلَاصِ الحَدِيثِ الصَّحيحِ البُخَاريُّ فِي أصُولِ الإستِدلَالِ وَمُسلمٌ فِي أصُولِ الإعلَالِ.
·…قلت:
في هذا أن هؤلاء النقاد كانوا يسيرون في طريق تتابعوا عليه لاستخلاص هذه الأحاديث الصحيحة التي أودعها البخاري ومسلم في صحيحهما، وليس الأمر كذلك، فلو أراد ابن القطان أو ابن المديني أو أحمد أو غيرهم استخلاص الأحاديث الصحيحة لفعل كل واحد منهم ما فعله البخاري ومسلم، لكن هؤلاء الأئمة قعدوا قواعد لاستخلاص الحديث الصحيح، وجاء بعدهما البخاري ومسلم فخطا لأنفسهم منهجا في استخلاص الصحيح.
والتفريق بين البخاري ومسلم بحجة أصول الاستدلال وأصول الإعلال كلام غير صحيح، فمسلم لا يبلغ مرتبة البخاري لا في الإعلال ولا الاستدلال، ومن أدمن النظر في الصحيحين لا يحيد عن هذه الحقيقة قيد أنملة، وصدق من قال: "لولا البخاري ما جاء مسلم ولا راح".
وقد قال أبو أحمد الحاكم في الكنى: "عبد الله بن الديلمى أَبُو بسر وَقَالَ البخاري وَمُسلم فِيهِ أَبُو بشر بشين مُعْجمَة قَالَ الْحَاكِم وَكِلَاهُمَا أَخطَأ في علمي، إِنَّمَا هُوَ أَبُو بسر، وخليق أَن يكون مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَعَ جلالته ومعرفته بِالْحَدِيثِ اشْتبهَ عَلَيْهِ فَلَمَّا نَقله مُسلم من كِتَابه تَابعه على زلته، وَمن تَأمل كتاب مُسلم في الْأَسْمَاء والكنى علم أَنه مَنْقُول من كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَا يزِيد عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا مَا يسهل عده، وتجلد فى نَقله حق الجلادة إِذْ لم ينْسبهُ إِلَى قَائِله، وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل في التَّارِيخ كتاب لم يسْبق إِلَيْهِ وَمن ألف بعده شَيْئا من التَّارِيخ أَو الْأَسْمَاء أَو الكنى لم يسْتَغْن عَنهُ فَمنهمْ من نسبه إِلَى نَفسه مثل أَبي زرْعَة وأبي حَاتِم وَمُسلم وَمِنْهُم من حَكَاهُ عَنهُ فَالله يرحمه فَإِنَّهُ الذي أصَّل الْأُصُول.