وقال يحيى بن سعيد القطان: "أبو عوانة من كتاب أحب إلي من شعبة من حفظه".
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الفضل - وهو: ابن زياد- قال: وسئل أحمد بن محمد بن حنبل عن جرير الرازي وأبي عوانة: أيهما أحب إليك؟ قال: "أبو عوانة من كتابه". قال الفضل: وسئل: أبو عوانة أثبت أو شريك؟ فقال: "إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم".
قلت: فتبين من هذا أن عبدالرحمن بن مهدي كان عنده شك في ما يحدث به أبو عوانة من حفظه، أي أنه يخطئ! فنظر في كتابه من أجل ذلك فوجد أن كتابه أثبت مما يحدث به من حفظه، واستغفار ابن مهدي - رحمه الله- يدلّ على ورعه، وإن كان الفعل الذي فعله لا يؤاخذ عليه، بل يؤجر عليه إن شاء الله؛ لأنه ما فعل ذلك إلا حسبة لله وصيانة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما قاله الدكتور اللاحم عن ابن مهدي ليس بصحيح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب: خالد الحايك.
سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (6).
قول يحيى القطّان في مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ: «كان يَقُولُ: أشياخنا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْيَى بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ حَاطِبٍ».
قال عَلِيُّ بنُ الْمَدِينِيُّ: سَأَلْتُ يَحْيَى - يعني: القطّان-، عن مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ، كَيْفَ هُو؟ قال: «تُرِيدُ الْعَفْوَ أَوْ تُشَدِّدُ؟ قُلْتُ: بل أشدد, قال: فليْسَ هُوَ مِمَّنْ تُرِيدُ, كان يَقُولُ: أشياخنا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْيَى بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ حَاطِبٍ».
قَالَ يحيى: وسألت مالك بن أنس عنه؟ فقال نحواً ممَّا قلت لك؛ يعني: أنه سأل مالكاً عن مُحَمَّد بن عمرو.
وقد روى ذلك ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير»، وابن عدي في «الكامل» (6/ 224)، والعقيلي في «الضعفاء» (4/ 109).
قلت: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي كان في المدينة يسمع الحديث، ولم يكن بذاك الذكاء ولم يكن بالحافظ، فكان إذا قيل له: من حدثك؟ قال: "حدثنا الأشياخ فلان وفلان ... "، يعني أنه يحيل عليهم دائماً سواءاً أكان ذلك صحيحاً أم لا، فهو يتخذهم صكاً مفتوحاً، ولهذا لما قال ابن معين: "لم يزل الناس يتقون حديث مُحَمَّد بن عَمْرو"، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: "كان مُحَمَّد بن عَمْرو يحدِّث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدِّث به مرة أخرى عن أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"، يعني لا يدري ما يحدِّث به، ولهذا فضّل الإمام أحمد العلاء بن عبدالرحمن عليه؛ لأن العلاء كان إذا سئل عمن، قال: فلان، وهو يدري ما يقول بخلاف محمد بن عمرو، فإنه كان إذا سئل: عمن، قال: أشياخنا فلان وفلان = يحيل عليهم وهو لا يدري قالوه أم لا!
وقول يحيى لابن المديني لما سأله عن محمد بن عمرو «تريد العفو أو تشدّد» لا يعني أن هؤلاء النقّاد كان لهم حالات في نقد الرواة: حالة التساهل وحالة التشدّد! فالأصل في النّقد أن يكون واحداً بحسب علمه وخبرته بالرجل وحديثه، ولعل المقصود هنا حال الرجل في السماع، فذلك له حالتان: التسهيل والتشديد، فكانوا يسمعون من هؤلاء الرواة - محمد بن عمرو وأمثاله ممن وصفوا بسوء الحفظ- أحاديث الفضائل والزهد والرقائق، وكانوا يتشددون في أحاديث الأحكام فلا يسمعونها منهم ولا يروونها عنهم.
وقد أورد الترمذي هذا النص في «العلل الصغير» بعد أن قال: "وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم، وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا. وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو"، ثم روى عنه: حدثنا أبو بكر عبدالقدوس محمد العطار البصري، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة؟ فقال: تريد العفو أو تشدد؟. فقلت: لا، بل أشدد، فقال: ليس هو ممن تريد، كان يقول: "أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب".