قلت:
1 - البخاري لم يضعف الحديث بكل طرقه، وإنما أعل طريق الزبير بن سعيد عن عبدالله بن علي بن يزيد بن ركانة فقط. وأما طريق نافع بن عجير فلم يتعرض لها.
2 - ما نقله ابن حجر عن ابن عبدالبر في ((التمهيد)): "ضعفوه"! فيه إيهام بأن ابن عبدالبر يضعف الحديث، وهذا ليس بصحيح؛ وإنما هو ناقل لمن ضعفه، وإلا فهو يرى صحته، فقال في ((الاستذكار)) (6/ 12): "رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمّه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول، فوجب قبولها لثقة ناقلها. والشافعي وعمّه وجدّه أهل بيت ركانة من بني المطلب بن مناف، وهم أعلم بالقصة التي عرض له".
3 - نعم، عمدة الدارقطني وغيره قول أبي داود هذا، وواضح وبيّن أن أبا داود يصحح الحديث، وهذا ما فهمه الأئمة كالدارقطني وابن حجر وغيرهما، ولهذا نسبوا التصحيح إليه. ولكن الشيخ الألباني أبى إلا أن يخالفهم في هذا الفهم!
وما اعتمد عليه الشيخ من أن قول المحدث: "هذا أصح من هذا" يعني ترجيحاً في الجملة، وبقية كلامه المصطلحي الجامد له وجهة، ولكن ليس في هذا الموضع!
فلو أن أبا داود اقتصر في كلامه على: "هذا أصح من هذا" فقط، لكان كلام الشيخ الألباني صحيحاً! ولكنه أتى بما يدل على تصحيحه للرواية بقوله: "لأنهم أهل بيته، وهم أعلم به"، وهذا تصحيح لحديثهم؛ وإلا لما كان لهذا الكلام معنى.
ولم يقتصر كلام أبي داود على ذلك مرة واحدة في ((سننه))، وإنما كرر ذلك أخرى (2/ 259) فقال: "وحديث نافع بن عجير وعبدالله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنّ ركانة طلق امرأته ألبتة فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به، إن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة".
6 - قال الشيخ الألباني: "على أننا نرى أن حديث ابن جريج أرجح من حديث نافع بن عجير؛ لأنه من طريق عبدالرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: ((طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة ... )) ".
قال الشيخ: "أخرجه أبو داود (2196) وعنه البيهقي (7/ 339). وأخرجه الحاكم (2/ 491) من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج عن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة به. وقال: ((صحيح الإسناد)) وردّه الذهبي بقوله: ((محمد واه، والخبر خطأ. عبد يزيد لم يدرك الإسلام)). وقال في ((التجريد)) (2/ 360): وهذا لا يصح، والمعروف أن صاحب القصة ركانة)).
قلت: وهذا الإسناد -وإن كان ضعيفاً- لجهالة البعض من بني رافع أو ضعفه لكنه قد توبع، فقال الإمام أحمد (1/ 265): حدثنا سعد بن إبراهيم: حدثنا أبي: عن محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: ((طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد ... )).
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي (7/ 339) وقال: ((وهذا الإسناد لا تقوم به حجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس فتياه بخلاف ذلك، ومع رواية أولاد ركانة أن طلاق ركانة كان واحدة)).
قلت: هذا الإسناد صححه الإمام أحمد والحاكم والذهبي وحسنه الترمذي في متن آخر تقدم برقم (1921)، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في داود بن الحصين وأنه حجة في غير عكرمة، ولولا ذلك لكان إسناد الحديث لذاته قوياً، ولكن لا يمنع من الاعتبار بحديثه والاستشهاد بمتابعته لبعض بني رافع، فلا أقل من أن يكون الحديث حسناً بمجموع الطريقين عن عكرمة، ومال ابن القيم إلى تصحيحه وذكر أن الحاكم رواه في ((مستدركه)) وقال: إسناده صحيح، ولم أره في ((المستدرك)) لا في الطلاق منه، ولا في الفضائل، والله أعلم. وقال ابن تيمية في ((الفتاوي)) (3/ 18): ((وهذا إسناد جيد)). وكلام الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (9/ 316) يشعر بأنه يرجح صحته أيضاً، فإنه قال: ((أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه من طريق محمد بن إسحاق، وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها. وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء ... )).