وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (9/ 229): سألت أبي عن يوسف بن مهران؟ فقال: "لا أعلم روى عنه غير علي بن زيد بن جدعان. يُكتب حديثه ويُذاكر به".
وقال ابن حجر في ((التقريب)) (ص612): "ليّن الحديث".
وقال في ((التلخيص الحبير)) (4/ 199): علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران، وهما ضعيفان".
· كأن الوهم من شعبة -رحمه الله-!
والذي أخشاه أن شعبة سمع الحديث من علي بن زيد بن جدعان عن ابن مهران عن ابن عباس، فأخطأ، فرواه عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب! وعلي بن جدعان له أحاديث كثيرة في التفسير عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، وكثير منها من الإسرائيليات، وفيها مناكير!! وشعبة يروي من هذه النسخة عن علي بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، وكأن هذا الحديث منها، فالله أعلم.
وأنا استغرب أن يُحدّث عدي بن ثابت وعطاء بن السائب بهذا الحديث عن سعيد بن جبير، ولا يرويه عنهما إلا شعبة! وأنا لا أشكك في حفظ شعبة، بل هو جبل من جبال الحفظ، ولكن الوهم والخطأ لا يَسلم منه أحد.
فالحديث فيه نكارة شديدة، والنقّاد إذا استنكروا حديثاً بحثوا عن علة في إسناده، فإن لم يجدوا أعلوه بالتدليس. وهنا يمكن إعلال الحديث بوهم شعبة، ولا يضيره ذلك، فوهمه بالنسبة لما يرويه لا يُذكر رحمه الله.
وكأنه وهم في هذا الحديث وكان يخطئ في اسم ابن مهران كذلك.
وقال أبو داود: "وقال شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن ماهك، وإنما ذا يوسف بن مهران"- يعني أن شعبة وهم.
قال عبدالله بن أحمد في ((العلل ومعرفة الرجال)) (2/ 157): سمعت أبي يقول: "أخطأ شعبة في حديث علي بن زيد عن يوسف بن مهران. فقال: يوسف بن ماهك، وهو خطأ إنما هو: ابن مهران".
· إشارة ذكية من البخاري:
وهناك إشارة ذكية من إمام الأئمة الإمام البخاري توحي إلى الحذر من حديث يوسف بن مهران، وهذا لا يعني اتهامه، وإنما التحذير من الروايات الإسرائيلية التي يرويها، فكأنه لم يكن بذاك في الحديث.
ذكر البخاري في ترجمته من ((التاريخ الكبير)) (8/ 375) قال: "وروى منصور بن صفية عن يوسف صاحب الكتب. قال منصور: وكان رجلاً يكون مع ابن الزبير، وكان يهودياً فأسلم".
قلت: فهذا يدل على أنه كان عنده كتب من أهل الكتاب لأنه كان يهودياً، فكأن البخاري يحذر من روايته، وقد تتبعت كثيراً من أحاديثه فوجدتها من الإسرائيليات المنكرة.
والخلاصة أن حديث جبريل أصله من حديث ابن مهران هذا، وهو حديثٌ منكرٌ، لا يصح الاحتجاج به.
وقد استغرب الذهبي هذا الحديث في ((سير أعلام النبلاء)) (13/ 306). والله تعالى أعلم وأحكم.
· من أرسل الحديث:
وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف، منهم: قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران.
روى الطبري في ((تفسيره)) (11/ 163) عن محمد بن عبدالأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران يقول في قوله: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال: "أخذ جبرائيل من حمأة البحر فضرب بها فاه -أو قال ملأ بها فاه- مخافة أن تدركه رحمه الله".
وروى أيضاً عن محمد بن عبيد، عن عيسى بن المغيرة، عن إبراهيم التيمي: أنّ جبرائيل قال: "ما خشيت على أحد من بني آدم الرحمة إلا فرعون، فإنه حين قال ما قال خشيت أن تصل إلى الرب فيرحمه، فأخذت من حمأة البحر وزبده فضربت به عينيه ووجهه".
قلت: وهذه إشارة إلى أن هذا الحديث كان عند أهل الكوفة مرسلاً، وكذلك في البصرة، فكيف يرويه عدي بن ثابت وعطاء بن السائب متصلاً؟! وهذا مؤشر إلى وهم شعبة فيه.
والخلاصة أن أصل الحديث مكيّ، وهو معروف في الكوفة والبصرة مرسلاً، فلو كان عندهم متصلاً لما احتاج قتادة وإبراهيم التيمي وغيرهما أن يرسلوه، وكيف يكون عند عدي بن ثابت وعطاء ولا يرويه غير شعبة عنهما؟! وأصحابهما في الكوفة كثر!