ثانياً: مسألة العمل بالضعيف مسألة معروفة عند أهل العلم، وليس هذا محل نقاش الشيخ فيها، وهي كما هو معلوم لها شروط وضوابط، والشيخ إنما ذكرها هنا لأنه يرى أن الحديث ضعيف، فيعمل به من هذا المنظار، أي العمل بالحديث الضعيف! ولكن السؤال: هل هذا الحديث ضعيف؟ أي يُحتمل ضعفه؟ الجواب: هو كما قرر الشيخ كل طرقه فيها إما متروك أو متهم، فهل إذا كان الحديث كذلك يطلق عليه بأنه ضعيف وأنه يعمل به؟!
فلازم كلام الشيخ عوامة عن الخلاصة التي ذكرها عن هذا الحديث أنه باطل، ولا أصل له، بل هو مكذوب! فكيف يجعله من باب الضعيف الذي يعمل به؟!
ثالثاً: الذي جعل الشيخ عوامة القول بهذا هو التيار الذي ذكره، وهو تيار مضاد للتيار الذي يسير عليه الشيخ! وهما تياران مختلفان في العقيدة، ومن ثَمَّ جعل بعض من ينتمون لكلا التيارين الخلاف ينْزل إلى أمور الحديث والفقه وغير ذلك! وهذا -والله- مصيبة، فأين الإنصاف والعدل. فالحقّ مع الدليل، وأربأ بهؤلاء المشايخ أن يكون عندهم ردّة الفعل هذه.
رابعاً: نعم، أشار البخاري في هذه الترجمة إلى هذا الحديث، ولكن إشارته هذه لا يُفهم منها أنه يعمل بهذا الحديث؛ لأنه ضعيف. بل العكس هو الصواب، فهو يرى بطلان هذا الحديث، وهو يعلم أن الناس يتداولونه ويروونه ويعملون به، فأراد أن يشير إلى مسألة فقهية دقيقة، وهي أن الناس يتطلعون إلى الكفاءة وهي مطلوبة ولكن ليست على سبيل الإيجاب. فهو رحمه الله يقرر حكماً من إيراده لهذه الترجمة.
والبخاري رحمه الله ذكر هذه الترجمة (باب: إلى من ينكح؟ وأي النساء خير؟ وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب) وجاء تحتها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)).
وهذا الحديث هو المقصود من الترجمة وأنه يستحب أن يتخير الرجل من نساء قريش، وأن هذا هو المقصود من التخير لنطفه، من غير إيجاب، فالترجمة جاءت لهذا الحديث خصوصاً، والله أعلم.
· رواية هذا الحديث عن قتادة عن عروة عن عائشة:
أشار الخطيب إلى هذه الرواية، فقال: "ورُوي عن قتادة، عن عروة، عن عائشة، كذلك حدَّث به أبو معاوية الضرير عن المختار بن منيح عن قتادة، ويقال: لم يروه عن المختار غير أبي معاوية".
وذكر الدارقطني هذه الرواية في ((الغرائب والأفراد)) (كما في الأطراف: 5/ 456) ضمن حديث عائشة، باب رواية (قتادة عن عروة) حديث رقم (6048) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تخيروا لنطفكم الحديث)).
قال الدارقطني: "تفرد به المختار بن منيح عن قتادة عنه عنها، ولم يروه عنه غير أبي معاوية".
قلت: كذا قال الخطيب والدارقطني أنه من حديث عائشة! ولكن رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، باب (من كان يحبّ أن يتخير في التزويج ومن كان لا يفعل) (4/ 25) رقم (17432) قال: حدثنا أبو معاوية، عن مختار بن منيح، عن قتادة، عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تخيروا لنطفكم)).
فلم يذكر "عائشة" في الرواية، فهو مرسل، وكذا حكم عليه البخاري -رحمه الله- في ترجمة ((مختار)) من ((التاريخ الكبير)) (7/ 386)، قال: "مختار بن صبيح الثقفي عن قتادة عن عزرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى عنه أبو معاوية، مرسل".
قلت: هذه الترجمة تتضمن أموراً:
1 - جاء في الترجمة: "مختار بن صبيح" وأشار الإمام المعلمي اليماني في تحقيقه إلى أنه وقع في الأصلين اللذين اعتمد عليهما من التاريخ الكبير هكذا. وأشار إلى أنه وقع في غير هذا الكتاب: "منيح" بالميم، وكأن هذا هو الصواب؛ لأن أبا حاتم وابن حبان عادة يتبعان البخاري في تراجمه، وكذا جاء عندهما، فكأنه حصل خطأ في نسخ البخاري في هذا الموضع.