· روايات أخرى لهذا الحديث:
قال ابن حبان في ((المجروحين)) (2/ 286): "محمد بن مروان السُّدي، من أهل الكوفة، يروي عن الكلبي وداود بن أبي هند، روى عنه العراقيون. كان ممن يروي الموضوعات عن الأَثبات، لا يحلّ كتابة حديثه إلا على جهة الاعتبار، ولا الاحتجاج به بحال من الأحوال. روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زوجوا الأكفاء وتزوجوا إليهم واختاروا لنطفكم، وإياكم والزنج فإنه خلق مُشوه) ".
· تصحيح الألباني للحديث بمتابعة الهلكى والسراقين بعضهم لبعض:
وبعد هذه الجولة في مناقشة الشيخ الألباني -رحمه الله- وتصحيحه الحديث بالمتابعات نرى تساهله الكبير في هذه المسألة -في هذا الحديث وفي غيره-، ومن شدة ما كان ينتقده بعض المشتغلين بهذا العلم في حياته كان يقسو عليهم ويسفههم كما هو مسطور في مقدمات طبعات كتبه الجديدة.
فهذا الحديث رواه عن هشام بن عروة بهذا الإسناد:
- الحارث بن عمران الجعفري. مدني، ويُقال: كوفي، مُتهم بالوضع، متروك الحديث.
- أبو أمية بن يعلى. بصري، متروك الحديث.
- أبو المقدام هشام بن زياد. بصري، متروك الحديث.
- عكرمة بن إبراهيم، بصري، ليس بشيء، متروك.
- صالح بن موسى الطلحي، كوفي، متروك الحديث.
- أيوب بن واقد، كوفي، نزل البصرة، ليس بثقة، متروك.
- يحيى بن هاشم السمسار، كان ببغداد، متروك الحديث، واتهمه ابن عدي بوضع الحديث وسرقته، وكذبه بعض أهل العلم.
- جعفر بن خالد الزبيريّ، مدني، لا يُتابع على حديثه، منكر الحديث.
- محمد بن مروان السدي، كوفي، متروك الحديث.
- مِنْدل بن علي، كوفي، سيء الحفظ، روى المناكير عن الثقات، لا يحتج به، تركه بعض أهل العلم. وقد دلّس هذا الحديث عن بعض الضعفاء.
فأصل الحديث من الحارث بن عمران الجعفري، وهو متهم، رواه في الكوفة وأخذه عنه الهلكى، وسرقه بعضهم فرووه عن هشام، وسِير به إلى الشام، فروي عن هشام أيضاً! فهل يُقال في مثل روايات هؤلاء الهلكى: إن بعضهم يقوي بعضاً؟!
ولاحظ أخي القارئ المنصف كيف يتفرد هؤلاء الهلكى بأحاديث عن الثقات. فأبو أمية بن يعلى هو الذي روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خمس لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر: المرآة والمكحلة والمشط والمدراء والسواك".
ورواه أيضاً أيوب بن واقد عن هشام بن عروة، مثله.
قال ابن عدي في ((الكامل)) (1/ 355): "هذا الحديث لم يحدّث به عن هشام بن عروة إلا ضعيف".
· قول الشيخ محمد عوّامة حول هذا الحديث:
خرّج الشيخ عوامة هذا الحديث أثناء تحقيقه لمصنف ابن أبي شيبة (9/ 409 - 413)، ثُم قال: "وعلى كلّ: فالحديث بطرقه كلها ضعيف، ويحتمل تقويتها ببعضها، والحافظ إنما حسّن في التلخيص الحبير من طرقه عن عائشة فقط، أما السخاوي في المقاصد الحسنة (323) فإنه أخذ كلام شيخه ثم أفاد أنه حسن بطرقه الأخرى. ولا يلزم من ضعف الحديث أن لا يتخيَّر الرجلُ الزوجَ الكفءَ له، بل إن هذا الحديث مثال على الحديث الضعيف الذي جوّزوا واستحبوا العمل به، ولا يأخذك تيار إنكار العمل بالحديث الضعيف، فهذا الإمام البخاري رحمه الله يقول في ((صحيحه)): كتاب النكاح12 - ((باب إلى من ينكح؟ وأيُّ النشاء خير؟ وما يستحب أن يتخيّر لنطفه من غير إيجاب))، فانظر إشارته إلى هذا الحديث، وانظر قوله: يستحبّ من غير إيجاب، وهذا هو بعينه الذي قاله النووي: يجوز ويستحب العمل بالضعيف. فاستحبَّ من غير أن يوجب".
قلت: على كلامه ملحوظات:
أولاً: لا أدري كيف يقول الشيخ عوامة هذا الكلام وأن الحديث يحتمل التقوية بطرقه هذه مع ما ذكره قبل ذلك بصفحة: "وخلاصة ما تقدم أنه ما من طريق إلا وفيها متروك أو متهم، أو هي معللة"؟!
فهذا تصريح منه أن كل طرقه فيها متروك أو متهم أو علة، فكيف يحتمل التقوية بذلك؟!