وقد تلقّف هذه الرواية بعض الشيعة وأوردوها في كتبهم مثل كتاب «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد. وذكر هذه القصة عن الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» وزاد عليها: "قالوا: وكان أشبه بأبي سفيان، وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في عمرو بن العاص:
أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت *** لنا فيك منه بينات الشمائل"!!!.
قلت: وهذا كذب وافتراء أيضاً.
وأما ما ذكر من أن رجلاً سأل عمراً عن أمه فهذه ليس فيها أن عمراً ولد زنا، وغاية ما في الأمر أنها كانت سبية، ثم تزوجها العاص بن وائل.
· رواية دون سند وبصيغة التمريض (التضعيف)!
هذا إن صحت القصة، ولهذا أوردها ابن عبدالبر بصيغة التمريض أي التضعيف.
قال في «الاستيعاب»: "عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، يكنى أبا عبدالله، ويقال: أبو محمد. وأمه النابغة بنت حرملة سبية من بني جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأخوه لأمه عمرو بن أثاثة العدوي كان من مهاجرة الحبشة وعقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط من بني الحارث بن فهر، وزينب بنت عفيف بن أبي العاص أم هؤلاء وأم عمرو واحدة وهي بنت حرملة سبية من عنزة، وذكروا أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه وهو على المنبر، فسأله، فقال: أمي سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عنزة، ثم أحد بني جلان أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبدالله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له فأنجبت، فإن كان جعل لك شيء فخذه".
فهذه هي مصادر العقاد التي اعتمد عليها في الطعن في عمرو بن العاص رضي الله عنه.
· تحريف العقاد لقصة المصريّ!!
ونعود لقصتنا الأصل لنرى كيف حرّفها العقاد أيضاً، وتحريفه هذا اعتمده كثير من القصاص!!
قال في كتابه «عمرو بن العاص» (ص157): "أما حساب الخليفة له على غلطة ابنه محمد، فخلاصته أن عمراً أجرى الخيل، فأقبلت فرس رجل من المصريين، فحسبها محمد بن عمرو فرسه وصاح: فرسي وربّ الكعبة! ثم اقتربت وعرفها صاحبها، فغضب محمد، ووثب على المصري يضربه بالسوط ويقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين! وبلغ ذلك أباه، فخشي أن يشكوهما المصري. فحبسه زمناً حتى أفلت وقدم إلى الخليفة يرفع إليه مظلمته .. فاستقدم الخليفة عَمراً وابنه، وقال للمصري: دونك الدرَّة فاضرب بها ابن الأكرمين! ثم قال له: أجِلْها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه. ففزع عمرو، واعتذر للمصري قائلاً: قد ضربت من ضربني! والتفت الخليفة إلى المصري يقول له: (أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه)، ثم إلى عمرو بن العاص يقول تلك الكلمة التي تعد من جلائل الأعمال، ولا تحصى في جلائل الأقوال وكفى: (أيا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)! " انتهى.
قلت: فهذه القصة كما حرّفها العقاد وزاد فيها أشياء باطلة لم ترد في الرواية الأصل التي رواها ابن عبدالحكم، وهي:
«عن أنس إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذاً، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصريّ؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصريّ: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه، فقال عُمر لعَمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتني».