ويؤخذ من بعض هذه المعايرات أنها كانت تؤجر للغناء بمكة فإن عمراً شتم أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بمجلس معاوية، فانتهرته قائلة: (وأنت يا ابن النابغة تتكلم، وأمك كانت أشهر امرأة تغني بمكة وآخذهن لأجرة؟. اربع على ظلعك، واعن بشأن نفسك، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش كلهم يزعم أنه أبوك، فسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به) .. !!
ومن كلامه عنها في بعض ما نقل عنه: (إنها سلمى بنت حرملة تلقب بالنابغة من بني عَنَزَة، ثم أحد بني جلاَّن، أصابها رماح العرب، فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة. ثم اشتراها منه عبدالله بن جدعان. ثم صارت إلى العاص بن وائل).
ويروى أنها كانت على صلة بالعاص وأبي لهب وأمية بن خلف وأبي سفيان. فولدت عمراً فألحقته بالعاص. وسئلت في ذلك فقالت: إنه كان ينفق على بناتي.
وأياً كان شان المبالغة في الثَّلب والتعييرن فالمتفق عليه أنها كانت سبية مغلوبة على أمرها، فلم تقارف البغتء سقوطاً منها وابتذالاً لعرضها، ومثل هذه لا تحسب عليها زلاتها كما تحسب على المرأة التي تزل واها مندوحة عن الزلل، وتهوى في موضع الصون والكرامة. وانجاب هذه ومثيلاتها للنوابغ من البنين ليس مما يخالف المألوف من سنن النسب والوراثة" انتهى كلامه.
· كلام ساقط ومتهافت!!
قلت: فهذا الكلام متهافت وصاحبه ادعى فيه أن عمرو بن العاص ولد زنا!! وقد كذب والله.
وصدق فيه قول الرافعي - رحمه الله-:
وللسَّفُّود نارٌ لو تَلَقتْ *** بِجَاحِمِها حديداً ظُنَّ شَحْمَا
ويَشوي الصَّخرَ يترُكُه رَماداً ** فكيف وقد رميتُكَ فيه لَحْمَا
· مصادر العقاد!!
وهذه القصة كذب ومصدرها كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربّه، وهو كتاب أدبي معروف جمع فيه صاحبه كثير من القصص المكذوبة!!
فقد ذكر هذه القصة في (وفود أروى بنت عبد المطلب علي معاوية)، قال: "العباس بن بكار قال: حدّثني عبدالله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة؛ فلما رآها معاوية قال: مرحباً بك وأهلاً يا عمة، فكيف كنت بعدنا؟
فقالت: يا ابن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، بعد أن كفرتم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، وردّ الحقّ إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صلّى الله عليه وسلّم هو المنصور، فولّيتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر؛ فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار.
فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة، وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك وحدك.
فقالت له: وأنت يا ابن النابغة تتكلم! وأمك كانت أشهر امرأة تغني بمكة، وآخذهن لأجرة! اربع على طلعك، واعن بشأن نفسك؛ فو الله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها؛ ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش، كلهم يزعم أنه أبوك فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به ... ".
قلت: حاشا أروى بنت عبد المطلب عمة نبينا صلى الله عليه وسلم أن تتهم الناس بأنهم أولاد زنا!!
· العباس بن بكّار متّهم!!
وإن صح النقل عن العباس بن بكّار البصري عن خاله أبي بكر الهذلي وعبدالله بن سليمان، فالعباس هذا منكر الحديث وهو متروك، وقد اتهمه بعض أهل العلم، فقال فيه الدارقطني: "كذاب".