ومما جاء في القصة من ألفاظ منكرة: ما نُسب لعمر قوله: «ضع على صلعة عمرو»!! فهذا فيه نوع من التعيير وعمر أبعد الناس عن ذلك.
ثم كيف يأمر هذا المصري بالضرب على صلعة عمر - يعني على رأسه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يضرب الوجه، ويدخل الرأس في هذا النهي؛ لأن الوجه في الرأس، بل الضرب على الرأس أخطر من الضرب على الوجه!!
· السياق التاريخي للقصة.
سابعاً: وأما هذه القولة التي تغنى بها الناس كثيراً: «مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً؟» أو بعد تحريفها: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً؟»!!
فهذه المقولة لا نستطيع إخراجها عن سياقها التاريخي!
نعم، هي كلمة عظيمة في الحرية كما هو الظاهر! لكن في عهد عمر وبعده كان هناك أناس يولدون عبيداً لا أحراراً!!
والحرية لا تعني التمرد على الشريعة وأحكامها كما يريد الناس الذين يرددون هذه المقولة، فالحرية لها حدود تقف عندها.
نعم، أهل الذمة لهم حقوق وليسوا عبيداً، ولكنهم كذلك مقيدون في ظل الدولة الإسلامية.
وهذه المقولة التي تُنسب لعمر منكرة؛ لأن خطأ أي فرد من أفراد المجتمع المسلم مع فرد آخر ذمي أو غيره لا يعني إطلاق كلمة الحرية هكذا دون قيود، وأن هذا الفعل دلّ على استعباد الناس!
وليس المقصود بالاستعباد هنا الاستعباد الذي يكون لله وحده - كما قد يفهمه البعض-، فهذا لا خلاف فيه. وإنما المقصود به هنا أن يتخذ الناس عبيداً أو معاملتهم معاملة العبيد.
ولا شك أن الإسلام قد شرع تشريعات لتحرير العبيد، ولكن ذلك كان ما يزال في عهد عمر، وليس المقصود أن نهضم غير المسلمين حقوقهم، فهي محفوظة في ظل الدولة الإسلامية طالما أنهم يؤدوا ما عليهم من جزية.
وكثير من الليبراليين والعلمانيين في زماننا يتشدقون بهذه المقولة للتفلت من حكم الشرع، وهذا أيضاً - كما ذكرناه - لا ينبغي أن نخرج المقولة عن سياقها التاريخي.
· كتاب د. أكرم ضياء العمري ونقد الروايات التاريخية!!
وبعد، فالعتب الشديد على الدكتور أكرم ضياء العمري فإنه ارتضى هذه القصة وغيرها وهو يتحدث في كتاب مهم له عن نقد الروايات التاريخية.
قال في كتابه «عصر الخلافة الراشدة - محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين» (ص126) وهو يتحدّث عن خلافة عمر بن الخطاب وحاله مع عمّاله: "كما كان يحقق في شكاوى الرعية ضدهم، ولما ضرب ابن لعمرو بن العاص أحد الأقباط وبلغ عمر شكواه، أراد أن يقتص للقبطي وخاطب عمراً بعبارته المشهورة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) ... كما غضب عمر على عمرو بن العاص لأنه أنفذ حد شرب الخمر على عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب في بيته، والحق أن ينفذه علناً أمام الناس ليعتبروا، وتحقيقاً لمبدأ المساواة أمام الشريعة .. ".
قلت: فكان ينبغي للدكتور وهو يتحدث عن نقد الروايات التاريخية وفق منهج المحدثين أن ينظر في أسانيد هذه القصص ويحقق في شذوذها كما أشار في مقدمة كتابه!! وعدم قبولها لشهرتها على ألسنة الناس!!
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب: خالد الحايك
5 ربيع الأول 1433هـ
28/ 1/2012م