تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان رضي الله عنه يطبق الحكم الشرعي حتى على ابن الخليفة عمر.

روى الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر: أن عبدالله بن عمر قال: "شرب أخي عبدالرحمن بن عمر وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث ونحن بمصر في خلافة عمر، فسكرا، فلما صحوا انطلقا إلى عمرو بن العاص - وهو أمير مصر- فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه! فقال عبدالله بن عمر: ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص. قال: فذكر لي أخي أنه قد سكر، فقلت له: ادخل الدار أطهرك فآذنني أنه قد حدث الأمير. قال عبدالله بن عمر: قلت، والله لا يحلق اليوم على رءوس الناس، ادخل أحلقك وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معه الدار. قال عبدالله بن عمر: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهم عمرو بن العاص، فسمع عمر بذلك فكتب إليّ ابعث إليّ بعبدالرحمن بن عمر على قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبدالرحمن على عمر جلده وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث شهراً صحيحاً، ثم أصابه قدره، فحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر، ولم يمت من جلده" [تاريخ مدينة دمشق: 44/ 324].

· تحريف العقّاد لهذه القصة!

وأما ما جاء في كتاب «عمرو بن العاص» لعبّاس محمود العقاد، (طبعة دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة - القاهرة)، (ص157) حيث قال: "ولقد حاسبه على إعفاء ابنه - أي ابن الخليفة - كما حاسبه على إعفاء ابنه هو من الجزاء الذي استحقه بالعدوان على بعض رعاياه. فقد ذهب عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب إلى عمرو يبلغه أنه شرب مسكراً، ويطلب إليه أن يقيم الحد عليه. فتغاضى قليلاً، ثم أذن بحده على أن يعفى من حلق رأسه على مشهد من العامة، فجاءه التأنيب من الخليفة مع البريد يقول فيه: عجبت لك با ابن العاص ولجرأتك عليَّ وخلاف عهدي .. فما أراني إلا عازلك فمسيء عزلك. تضرب عبدالله في بيتك وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟ إنما عبدالرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين".

قلت: هكذا ساق العقاد هذه القصة وقد حرّفها لما عُرف من طعنه في عمرو بن العاص في كتابه هذا!! فهو ينتهز كل فرصة ليطعن فيه، فطعن فيه من جهة أمه في مقدمة كتابه، ثم حرّف كثيراً من القصص للطعن فيه ولبيان أنه كان سيئاً في إمارته، وأنه كان يخالف الخليفة عمر، ولطالما وبخه عمر!!

وهذا كله كذب وافتراء من العقاد. وقد نقلنا القصة بإسنادها وراويها هو عبدالله بن عمر أخو عبدالرحمن.

وسيأتي زيادة تفصيل حول تحريفات العقاد لهذه القصص أيضاً إن شاء الله.

· أين تثبت عُمر؟!

ثانياً: يستدل الناس بهذه القصة على عدل عمر - رضي الله عنه- وعدله ثابت بحمد لله دون هذه القصة المنكرة!

ومن عدل عمر أنه كان يستثبت قبل أن يتصرف، فكيف يأتيه هذا الرجل، ثم يرسل مباشرة إلى عمرو أن ائتني أنت وابنك! وهل هذا الأمر بهذه السهولة؟! إن ذلك يتطلب زمناً طويلاً. وكان يكفيه رضي الله عنه أن يرسل لعمرو يسأله عن هذه الفصة ثم يتصرف بعد ذلك.

وظاهر القصة أن عمر بن الخطاب لم يتثبت من قضية ضرب ابن عمرو لهذا المصري بدليل أن عمراً لما قدم وابنه، قال عمر مباشرة: "أين المصري؟ خذ السوط فاضرب .. "! ولو كان قد تثبت من ذلك لما قال له عمرو بعد أن ضرب المصري ابنه: "لم أعلم ولم يأتيني"!!

فهل عدل عمر أنه يصدّق أي إنسان ادّعى دعوى على آخر ومباشرة يطلق حكمه دون تثبت؟!

بل إنّ هذا يخالف مبدأ عمر في التثبت الذي عُرف به، وهو مبدأ إسلامي أصيل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

وما جاء في القصة من تحريفات - وليست في أصل ابن عبدالحكم- من أن عَمراً حبسه ثم هرب .. إلخ فهذا من الكذب على الكذب!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٥٨٨