كل بطاح من الناس له يوم بطوح!
ثم بطح ابنه محمد ثم أخذ العصا واعتلاهم على صدورهم يضربهم، ويقول: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) هذه تكتب بماء الذهب، وأصبحت كلمة عمرية".
هكذا تحرفت عند كثير من الكتّاب والقصاص والوعّاظ! فزادوا فيها أشياء منكرة جداً فوق نكارتها! ظناً منهم أنها صحيحة، والله المستعان.
· علل سند القصة!
القصة ذكرها ابن عبدالحكم بقوله: حُدِّثنا عن أبي عَبدة، عن ثابت البُناني، وحُميد، عن أنس ..
فالقصة معلولة إسناداً من وجهين:
الأول: ابن عبدالحكم لم يذكر من حدَّثه بهذه القصة، فلا نعرف الواسطة بينه وبين أبي عبدة هذا!
فابن عبدالحكم توفي سنة (257هـ)، وأبو عبدة توفي تقريباً (167هـ أو بعدها أو قبلها بقليل).
فبينهما تقريباً (90) سنة أو يزيد.
الثاني: ضعف أبو عبدة وتفرده بها عن ثابت وحميد! وهو يتفرد عنهما بمناكير!!
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: يوسف بن عبدة أبو عبدة؟ قال: "له أحاديث مناكير عن حميد وثابت"، وكأنه ضعفه.
وقال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يوسف بن عبدة؟ فقال: "شيخ ليس بالقوي، ضعيف" [الجرح والتعديل: 9/ 226].
وذكره العُقيلي في «الضعفاء» (4/ 456) ونقل قول أحمد فيه. وذكر له حديثاً منكراً أنكره عليه حماد بن سلمة - وهو من أقرانه - وهو حديثه عن ثابت عن أنس: «أنه أوصى إذا مات أن يوضع في فمه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم»!!
رواه عنه أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكيّ.
قال أبو سلمة: فحدثت به حماد بن سلمة فأنكره! وحرك رأسه، وقال: "إذا حدثك هؤلاء الشيوخ عن ثابت بشيء فاتهمهم".
وقال الأصمعي: "رآني حماد بن سلمة عند يوسف بن عبدة فقال: ما هذه الروضة التي وقعت عليها!! " [ميزان الاعتدال: 7/ 300].
قلت: يعني حديث يوسف لا شيء!
ولا يعكّر على ذلك ذكر ابن حبان له في «الثقات» (7/ 639)!
قال ابن حبان: "يوسف بن عبدة أبو عبدة العتكي مولى يزيد بن المهلب من أهل البصرة، ختن حميد الطويل، يروي عن الحسن وابن سيرين وحميد الطويل، روى عنه الأصمعي وأهل البصرة، وقد كتب عنه الحسن بن موسى الأشيب".
قلت: هذا يرده قول حماد بن سلمة، وكذلك قول أحمد وأبي حاتم. فالرجل منكر الحديث، وكأن ابن حبان لم يقف على ما ينكر من حديثه؛ لأن حديثه قليل!! وابن حبان كثيراً ما يخالف الأئمة النقاد فيورد في الثقات من ضعفوه، وأحياناً هو يتناقض في ذلك.
فإسناد القصة منكر! ولا تُعرف هذه القصة في أي كتاب من كتب أهل العلم قبل كتاب ابن عبدالحكم - رحمه الله- وانتشرت من طريقه!!
· نكارة متن القصة!
· ما يدلّ على خلاف القصة من حال عمرو بن العاص:
أولاً: هذه القصة ذكرها بن عبدالحكم في سياق خطبة لعمر بن الخطاب وبين عمّاله، وكان إيرادها بسبب سؤال من عمرو بن العاص لعمر حول الرعية، وكان مما أورده ابن عبدالحكم بعد هذه القصة ما يدل على خلاف هذه القصة المنكرة من حال عمرو بن العاص - رضي الله عنه-، ومن ذلك:
قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: «كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن رجل أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر حتى فعل ذلك مراراً، أيقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر أن اقبل منه، اعرض عليه الإسلام، فإن قبل فاتركه، وإلّا فاضرب عنقه».
وقال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: «كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن عبدٍ وَجد جرّة من ذهب مدفونة، فكتب إليه عمر: أن ارضخ له منها بشىء، فإنه أحرى أن يؤدّوا ما وجدوا».
قلت: هكذا كان حال أمير مصر عمرو بن العاص مع الخليفة عمر رضي الله عنهما، وحرصه على ما يحدث في مملكته يبعد أن يجعله يحابي ابنه على حساب واحد من الرعية سواءً أكان مسلماً أم غير مسلم.