سابعاً: قولهما: "وقد خرج عبدالحميد بن جعفر مع محمد بن عبدالله بن حسن المعروف بالنفس الزكية، وكان على شرطته فكأن بعضهم تكلّم فيه لأجل ذلك"، لم ينسبانه لأحد، ولست بصدد تصويب هذا الرأي أو ذاك، ولكن كان ينبغي عليهما وهما يحرران أن يعرفا أصحاب هذه الأقوال!
فالذي تكلّم فيه بسبب ذلك هو سفيان الثوري نفسه الذي تكلّم فيه بسبب القدر.
قال أبو داود كما في «سؤالات أبي عبيد الآجري» (ص94): "وكان سفيان يتكلم في عبدالحميد بن جعفر لخروجه مع محمد بن عبدالله بن حسن، وسفيان يقول: وإن مرّ بك المهدي وأنت في البيت فلا تخرج إليه حتى يجتمع الناس، وذكر سفيان صفين فقال: ما أدري أخطأوا أم أصابوا! وكان سفيان في ذي أشد من شعبة".
ثامناً: ومما يؤيد قول ابن حجر الذي اعترض عليه «المحرران» تصرف البخاري ومسلم في إخراج حديثه.
أما البخاري فقد أعرض عن حديثه، وعلّق له حديثين لأسباب نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول:
قال البخاري في «صحيحه»، باب بيع الميتة والأصنام (2/ 779): حدثنا قتيبة: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو حرام))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)).
قال أبو عاصم: حدثنا عبدالحميد: حدثنا يزيد كتب إليَّ عطاء: سمعت جابراً رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال في باب ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ الآية (4/ 1695): حدثنا عمرو بن خالد: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب قال: عطاء سمعت جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوها)).
وقال أبو عاصم: حدثنا عبدالحميد: حدثنا يزيد كتب إلي عطاء سمعت جابراً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: أراد البخاري بتعليق رواية الضحاك أبي عاصم عن عبدالحميد أن يبيّن أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من عطاء بن أبي رباح، وإنما كتب إليه بعض الأحاديث.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (4/ 424): "قوله: (عن عطاء): بيّن في الرواية المعلقة تلو هذه الرواية المتصلة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه".
الحديث الثاني:
قال البخاري في «صحيحه»، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، (6/ 2613): حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة؛ فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)).
وقال محمد بن بشار: حدثنا عبدالله بن حُمران، قال: حدثنا عبدالحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة، قوله.
قلت: أراد البخاري بهذا التعليق أن ينبه إلى وهمين وقعا في هذا الحديث:
الأول: زيادة رجل وهو: "عمر بن الحكم" بين سعيد المقبري وأبي هريرة.
الثاني: وقف الحديث، واالصواب رفعه.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (13/ 125): "وأدخل عبدالحميد بن جعفر بين سعيد وأبي هريرة رجلاً، ولم يرفعه، وابن أبي ذئب أتقن من عبدالحميد وأعرف بحديث المقبري منه، فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبدالحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين، فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفاً على ما رواه عنه عبدالحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعاً إذ وجدت عند كل من الراويين عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع؛ لأن الراوي قد ينشط فيسند، وقد لا ينشط فيقف".