وقال ابن حبان في «الثقات» (7/ 122): "عبدالحميد بن جعفر بن عبدالله بن الحكم بن رافع بن سنان، أبو حفص الأوسي، الأنصاري، من أهل المدينة. وقد قيل: كنيته أبو الفضل. يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء وأبيه، روى عنه هشيم ويحيى القطان. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن سبعين. ربما أخطأ".
وقال في «المشاهير» (ص131): "عبدالحميد بن جعفر بن عبدالله بن الحكم الأنصاري، الأوسي، أبو حفص. من خيار أهل المدينة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وكان يهم في الأحايين".
وذكره العقيلي في «الضعفاء» (3/ 43) ونقل في ترجمته تضعيف يحيى القطان وسفيان الثوري له.
وكذلك ذكره ابن عدي في «الكامل» (5/ 318) وذكر له بعض الأحاديث التي أخطأ فيها، ثم قال: "ولعبدالحميد غير ما ذكرت من الروايات، وأرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يُكتب حديثه".
قلت: فهل الثقة المطلق يُقال فيه: يكتب حديث يا محرران؟!
سادساً: قولهما: "وذكره الذهبي في كتابه النافع الماتع: ((من تكلم فيه وهو موثق)) "! يقصدان أن الذهبي يرد على من تكلم فيه وهو ثقة؛ وذلك لأنه ذكره في هذا الكتاب، وعنوانه يدلّ على ذلك!
قلت: والله هذه مصيبة! ومصيبة كبرى! هما الآن في مقام التحرير ولا يعرفان مقاصد أهل العلم في كتبهم؟! وهذا؛ لأن هذه الصنعة ليست صنعتهم، والله المستعان.
بداية نذكر قول الذهبي في الكتاب المشار إليه (ص116): "عبدالحميد بن جعفر المديني (ت ق)، صدوق، موثق، ضعفه يحيى القطان".
قلت: فقوله صدوق مطابق لقول ابن حجر المُعترض عليه، فأين توثيق الذهبي له؟!
ثم تالياً: هل تعرفان أيها المحرران شرط الذهبي في هذا الكتاب؟!
يقول - رحمه الله - (ص27) في مقدمة كتابه: "فهذا فصلٌ نافعٌ في معرفة ثقات الرواة الذين تكلم فيهم بعض الأئمة بما لا يرد أخبارهم، وفيهم بعض اللين، وغيرهم أتقن منهم وأحفظ، فهؤلاء حديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح، فلا ينزل عن رتبة الحسن، اللهم إلا أن يكون للرجل منهم أحاديث تستنكر عليه، وهي التي تكلم فيه من أجلها، فينبغي التوقف في هذه الأحاديث، والله الموفق بمنه".
قلت: فاعرضا قول ابن حجر وغيره على كلام هذا الإمام البارع تجدانه لا يخرج أبداً عنه، وكلامهما يخرج من مشكاة واحدة.
وهؤلاء الذين ذكرهم الذهبي - رحمه الله - في كتابه النافع الماتع ليسوا من الضعفاء، وهذا ما أراد الإمام بيانه، وهم ما بين ثقة وصدوق ولا بأس به وحسن الحديث، فهل يخرج عبدالحميد عن بعض هذه الأوصاف؟!
وعند تطبيق كلام الذهبي على بعض روايات عبدالحميد نجد له ما يستنكر بسبب الوهم والخطأ، فهو لا يصل إلى أعلى مراتب الصحيح، فعنده بعض اللين، وهذا ما نص عليه الذهبي في هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه.
وإليكما أقوال الذهبي في كتبه الأخرى:
قال في «المغني في الضعفاء» (1/ 368): "عبدالحميد بن جعفر المدني: صدوق. قال أبو حاتم: لا يُحتج به. ضعفه القطان، وفيه قدرية".
وقال في «السير» (7/ 22): "احتج به الجماعة سوى البخاري، وهو حسن الحديث".
وقال في «الكاشف» (1/ 614): "عبدالحميد بن جعفر بن عبدالله الأنصاري الأوسي المدني، عن عمّ أبيه عمر بن الحكم ونافع، وعنه القطان وابن وهب. ثقة، غمزه الثوري للقدر".
قلت: بمجموع هذه الأقوال لا يخرج حكم الذهبي عن حكم ابن حجر فيه، وإطلاقه لفظ: "ثقة" فيه في الكاشف لا يُعتبر؛ لأنه يخالف قوله في كتبه الأخرى سيما السير، وهو من آخر كتبه وأكثرها تحريراً.
وكذلك فإن أقواله في «الكاشف» لا يعتبرها د. بشار معروف كما سمعت منه في بعض المناقشات، فقوله هذا لا يعتمد بناء على ذلك.
وأنا لا أتبنى رأيه هذا، ولكن ألزمه به إذا احتج به.
ورأيه هذا في كتاب «الكاشف» غير معتبر، فهو كتاب قيّم، والتعامل معه بحاجة إلى ضوابط: فإذا لم يكن للذهبي قولاً في الراوي في أي كتاب من كتبه إلا في هذا الكتاب، فهو معتبر، وإذا كان قوله في كتابه هذا مخالف لقوله في كتاب آخر نرجّح بينهما.