قال عبّاس الدوري «تاريخ ابن معين» (3/ 165): سمعت يحيى يقول: "عبدالحميد بن جعفر ثقة، وكان يُرمى بالقدر".
وقال أيضاً (3/ 190): سمعت يحيى يقول: "عبدالحميد بن جعفر: ليس به بأس، وكان قدرياً".
وقال أيضاً: سمعت يحيى بن معين يقول: "عبدالحميد بن جعفر: ثقة، ليس به بأس".
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: "كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان سفيان الثوري يضعفه". قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: "ليس بحديثه بأس، وهو صالح".
قلت: فتبيّن من مجموع هذه الأقوال أنه لا بأس به عند ابن معين، وهو صالح الحديث، ولا يصل إلى رتبة الثقة المطلق، وقوله فيه: "ثقة" كان في مقابلة رميه بالقدر، ولهذا قال في مرة أخرى: "ثقة ليس به بأس"، أي ثقة في دينه، لا بأس بروايته، وروايته صالحة.
وأما القول الذي نسباه ليعقوب، فقد قال في «المعرفة والتاريخ» (2/ 266): حدثنا أبو عاصم عن عبدالحميد بن جعفر، مدني أنصاري ثقة، وإن تكلم فيه سفيان فهو ثقة حسن الحديث.
قلت: وهذا أيضاً يدلّ على ما قلناه أن توثيقه هنا بسبب تضعيف سفيان له بسبب القدر، وقول سفيان: "ثقة حسن الحديث" أي ثقة في دينه، حسن الرواية، وليس كما فهما أنه أطلق لفظ الثقة فيه في الرواية.
وأما قول ابن سعد فهو واسع الخطو في إطلاق الألفاظ على الرواة، وخاصة التوثيق، وقوله يؤخذ به إذا وافق غيره من الأئمة أو إذا لم نجد كلاماً في الراوي غير كلامه أو إذا تيقنا أنه سبر حديث الراوي، فعندئذ يؤخذ بقوله.
ثالثاً: نسيا قول علي بن المديني فيه.
قال ابن أبي شيبة في «سؤالاته لابن المديني» (ص99): وسألت علياً عن عبدالحميد بن جعفر الأنصاري؟ فقال: "كان يقول بالقدر، وكان عندنا ثقة، وكان سفيان الثوري يضعفه".
قلت: وهذا أيضاً في مقابلة من رماه بالقدر، ألا ترى أن الأئمة إذا نقلوا أنه قدري أتبعوه بقولهم: "ثقة"، أي أنه ثقة عندنا في دينه، ومن رماه بالقدر لم يصب.
والخلاصة أنه لا بأس به وهذا معنى قول ابن حجر فيه: "صدوق"، ويؤيده قول أبي حاتم الرازي فيه: "محله الصدق".
وقول أبي حاتم أولى بأن يرد عليه صاحبا التحرير من الرد على ابن حجر؛ لأنه هو سابق له! ولكن كما قلت: كأنه بين أحدهم وبين ابن حجر عداوة، فالله المستعان.
رابعاً: نقلهما إن يحيى بن سعيد القطان وثقه! وتعليقهما: "وناهيك به في انتقاء الرجال وتشدده فيهم"! غير سديد!!
فأين قال يحيى القطان بتوثيقه؟! ولو أنهما فعلاً حررا كتابهما لما وقعا في هذا الخطأ الشنيع!!
روى عبّاس الدوري في «تاريخ ابن معين» (4/ 197) قال سمعت يحيى يقول: "كان يحيى بن سعيد القطان يُضعّف عبدالحميد بن جعفر". قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد؟ قال: "روى عنه ويضعفه"، قال يحيى: "وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم وما كانوا يساوون عنده شيئاً".
قلت: فكأن صاحبي التحرير نظرا إلى رواية يحيى القطان عنه! ولذلك أشارا إلى تشدده وانتقاءه للرجال!! ولا أدري كيف يقولان ذلك وينسبان التوثيق له من أجل أنه روى عنه؟ فهلا وقفا على هذا النص عن ابن معين، وهو متداول بين أيديهما في معظم الكتب: في ضعفاء العقيلي وكامل ابن عدي وغيرهما.
فأين التحرير المزعوم، وابن معين يقول بأن القطان كان يضعفه وأنتما تقولان هو ثقة عنده؟!
خامساً: وعلى فرض أن هؤلاء الأئمة قد أطلقوا لفظ "ثقة" عليه، فقد اعتاد صاحبا التحرير على أنهما إذا أرادا رد كلام ابن حجر فإنهما ينقلان أقوال الأئمة التي توافق رأيهما - دون فهم أحياناً لهذه الأقوال كما سيأتي إن شاء الله -.
فهما قد نقلا توثيقه عن أحمد وابن معين وابن سعد ويحيى القطان ويعقوب بن سفيان! ولكن أين أقوال الأئمة الآخرين فيه؟!
قال النسائي في «الضعفاء» (ص72): "عبدالحميد بن جعفر: ليس بالقوي".