الرابع: أن معمراً أمر تلميذه عبدالرزاق بأن يذهب إليه ليسأله عن هذا الحديث! وهذا فيه إشارة إلى أن معمراً لا يرى صحته! إذ لو رأى غير هذا لسمعه هو منه، ولما أمر عبدالرزاق أن يسأله عنه؛ وكأنه أراد أن يتأكد أنه هو المتفرد به عن ابن عباس!!
والغريب أن أهل اليمن كمعمر وعبدالرزاق وغيرهما لم يؤثر عنهم توثيقه! بل إن واقع الحال يدلّ على أنهم لم يكونوا يعبأون به، فهو أشبه بالمتروك عندهم! وكأن حال رواية عبدالرزاق عنه أنه أخبر به؛ لأنه ذهب وسأله عن هذا الحديث كما أمره شيخه معمر، وإلا لم يكن ليسمع منه، وقد سمع منه بعض القصص الإسرائيلية عن وهب بن منبه.
قال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا عبدالرزاق قال: قال لي معمر: ائت منذر بن النعمان فسله عن حديث يحدّث به عن وهب بن منبه عن ابن عباس: أنه قال: يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفاً ينصرون الله عز وجل ورسوله، هم خير من بيني وبينهم؟!!
الخامس: إيراد ابن معين لهذا الحديث في فوائده يدلّ على غرابته؛ لأن أهل العلم كانوا يجمعون الأحاديث الغريبة والمنكرة في مثل هذه الكتب، وكانوا يحرصون على سماعها ويوردوها في كتب الفوائد، وربما رحل بعضهم من أجل هذه الغرائب.
السادس: نكارة المتن! فالتنصيص على هذا العدد "12 ألفاً"! فيه غرابة شديدة! لم هذا العدد بالذات لا أكثر ولا أقل؟!!
وكذلك ما فيه من أنهم خير من بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم! وهذا باطل قطعاً، فلا يوجد عصر مثل عصر الصحابة والتابعين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا لا يعني أن لا يكون هناك ممن بعدهم أو في زماننا من هم على شاكلتهم يدافعون عن حياض هذا الدّين، وهم الفئة التي لا زالت تقاتل تنصر دين الله في كل زمان ومكان.
· ترجمة المنذر بن النعمان:
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (7/ 358): "منذر بن النعمان عن إبراهيم الأفطس، روى عنه هشام بن يوسف وعبدالرزاق".
ثم قال: "منذر الأفطس: سمع وهب بن منبه".
قلت: الظاهر لمن نظر في هاتين الترجمتين أن البخاري يفرّق بينهما، وليس كذلك. فالبخاري - رحمه الله - من عادته أنه يأتي بترجمتين للراوي وراء بعضهما البعض من أجل أن يبين حال الرواية عنه.
فمنذر هذا يروي عن إبراهيم الأفطس، وكذلك يروي عن وهب بن منبه ويذكر سماعاً في ذلك! ولهذا فصل البخاري بينهما مستغرباً هذا السماع لا أنه يثبته؛ لأنه سبق وأن ذكر أنه يروي بواسطة إبراهيم الأفطس، وكأنه يميل إلى أن رواية منذر عن وهب بينهما واسطة، وهو إبراهيم هذا، وهو رجل مجهول!
وقد ترجم له البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 311): "إبراهيم الأفطس اليماني عن وهب بن منبه، روى هشام بن يوسف عن منذر الأفطس عن إبراهيم".
وقد ظنّ ابن حبان أن البخاري قد فرّق بينهما فذكرهما في ثقاته كما ترجم لهما البخاري!!
قال في «الثقات» في «أتباع التابعين» (7/ 481): "منذر الأفطس: يروي عن وهب بن منبه، روى عنه أهل اليمن".
ثم قال في «الطبقة الرابعة ممن روى عن أتباع التابعين» (9/ 176): "المنذر بن النعمان: يروي عن إبراهيم الأفطس، روى عنه عبدالرزاق".
قلت: والأول يروي عنه عبدالرزاق وهما واحد، والأمر إن شاء الله كما ذكرنا عن الإمام البخاري أنه لم يقصد التفريق بينهما، وإنما أراد إثبات هذا الواسطة بين منذر وبين وهب وهو إبراهيم هذا، ولم يفهم ابن حبان ما أراده البخاري ففرّق بينهما بحسب الطبقة!
وقال عبدالرحمن ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 242): "منذر بن النعمان الأفطس اليماني، روى عن وهب بن منبه، روى عنه: معتمر بن سليمان وهشام بن يوسف وعبدالرزاق ومحمد بن الحسن بن أتش ومطرف بن مازن قاضي صنعاء، سمعت أبي يقول ذلك".
قال عبدالرحمن: أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا عبدالرزاق قال: قال لي معمر: إئت منذر بن النعمان فسله عن حديث يحدث به عن وهب بن منبه عن ابن عباس أنه قال: «يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفاً ينصرون الله عز وجل ورسوله هم خير من بيني وبينهم».