تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: هذا الكلام فيه نظر شديد من الشيخ - سلمه الله-.

1 - فقياس رواية الشعبي عن أم سلمة على رواية حميد عن أنس ورواية أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود قياس مع الفارق! فهذه كما قال الشيخ عرفنا أن الأولى أخذها حميد عن ثابت، وفي رواية أبي عبيدة أخذها عن كبار أصحاب أبيه مع استقامة هذه الروايات، فأين ذلك في رواية الشعبي؟!

2 - قيّد الشيخ قبول المنقطع إذا عرفنا الساقط، فمن الساقط بين الشعبي وأم سلمة؟!

3 - وأما ما قيل: أن الشعبي لا يروي إلا عن ثقة، فقصد الشيخ أنه لا يرسل إلا عن ثقة! وهذا اللفظ أوضح من القول بأنه لا يروي إلا عن ثقة! لوجود فرق بينهما! فالذي لا يروي إلا عن ثقة يعني أن شيوخه ثقات وهو يذكرهم، وهذا هو قول ابن معين الذي أشار إليه الشيخ نفسه، قال ابن معين: "إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه؛ فهو ثقة يحتج بحديثه".

وأما من لا يرسل إلا عن ثقة فلا يذكر من حدثه وإنما يسقطه ولا يذكره، ففرق بين هذا وبين من يذكر اسم من حدّثه.

ومعتمد ما قاله الشيخ السعد على قول أحمد بن صالح العِجلي: "ومرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً".

وقال المعلمي في «التنكيل» (2/ 901): "والشعبي جيد المرسل، قال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحاً. وقال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحب إليّ من مرسل النخعي".

قلت: الظاهر أن العجلي قال ما قال عن مراسيل الشعبي لجلالته في طبقته، وهو من المبرزين المتقنين فيها، وقد تساهل بعض أهل العلم بوصف مراسيل بعض التابعين المشهورين كالشعبي والنخعي بأنها مقبولة وأنهم لا يرسلون إلا عن الثقات وغير ذلك، وما هذا إلا لتقدّم هؤلاء في العلم، وكلّ هذا يحتاج إلى سبر وتمحيص حتى يطمئن الناقد إلى صحة ما أطلق من ذلك.

وهذا أبو داود قدّم مراسيل الشعبي على مراسيل النخعي في حين ذهب ابن معين إلى عكس هذا.

قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: "مراسيل إبراهيم أحبّ إليّ من مراسيل الشعبي".

فالمسألة ليست على إطلاقها، فكلّ إمام ينظر إلى ذلك من زاوية معينة.

قال الشيخ يوسف الجديع في «تحرير علوم الحديث» (2/ 936) معقباً على كلام العجلي: "وهذا مفيد في قوة الاعتبار بها لذاتها، ولا يصح أن يكون حكماً بصحة أفراد رواياته المرسلة دون شاهد، وظاهر العبارة أن العجلي تتبع مراسيل الشعبي فوجد أكثرها صحيحاً من وجوه أخرى، فعُلمت صحتها بأمر خارج عن نفس المرسل، ولذا قال: (لا يكاد)، ففيه أن ما لم تشهد له الشواهد أنه صحيح، فهو باق على الضعف".

قلت: هذا كلام متين، وما قاله العجلي في أن الشعبي لا يرسل إلا عن ثقة يحتاج إلى الدليل.

وقد تتبعت بعض مراسيل الشعبي فوجدتها منكرة!! منها: ما رواه عَبْدُاللَّهِ بنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، عَنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «بَايَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءَ وَعَلَى يَدِهِ ثَوْبٌ».

ورواه وَهْبُ بنُ جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ بَايَعَ النِّسَاءَ وَضَعَ عَلَى يَدِهِ بُرْدًا قَطَرِيًّا فَبَايَعَهُنَّ».

قلت: وهذا مرسل منكر! وهو معروف بالإرسال عند الكوفيين، رواه مرسلاً أيضاً إبراهيم النخعي.

والثابت الصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصافح النساء وكان يبايعهنّ كلاماً.

روى الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي الْبَيْعَةِ».

وفي «صحيح البخاري» عن عروة عن عائشة قالت: «وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالكَلاَمِ، وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ. كَلاَمًا».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٥٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٥٣٧