ورواه عن عليّ كذلك: حَبَّة العُرنيّ, والرَّضْرَاض بن أَسْعَدَ, وعَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبِي لَيْلَى، وغيرهم.
ومن خلال ذلك يظهر لنا أنّ الإمام البخاري لا يثبت سماع الشعبي من عليّ إلا في هذا الحديث؛ لأنه مشاهدة، وكان حينها غلاماً.
وقد روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبيّ قال: "رأيتُ علياً أبيض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه" (الأحاديث المختارة للضياء المقدسيّ: 2/ 170).
والخلاصة أن الشعبيّ لم يسمع من عليّ إلا هذا الحرف في رجم شُراحة لأنه شهد تلك الحادثة، ومن هنا يتبيّن لنا دقة الإمام البخاري - رحمه الله- في تخريج الأحاديث، ومرّض له أثراً عن عليّ في تراجم أبوابه.
قال البخاري في «صحيحه» في بَاب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ: "وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ: «إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلاَثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ».
قال ابن حجر: "وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي سَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شُرَيْحٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا".
وقال العيني: "فإن قلت: ذكر البخاري في كتاب الحيض: ويذكر عن علي فذكر في الحيض أثراً صحيحاً، قالوا: إذا ذكر البخاري أثراً ممرضاً كان غير صحيح عنده، ولئن سلمنا ما قالوا، فتكون رواية الشعبي عن علي منقطعة؛ لأنه لا علة في السند الممرض غير رواية الشعبي عن علي. قلت: لعل البخاري لم يصح عنده سماع الشعبي عن علي إلا هذا الحرف كما ذكر الدارقطني فأتى به هنا مسنداً، والذي في الحيض لم يصح عنده سماع الشعبي منه فمرّضه".
قلت: ما رُوي عن الشعبي عن عليّ فإن صحّ إسنادها إليه فهو مما سمعه الشعبيّ من أهل الكوفة من قضايا عليّ وغيره.
أخرج الطحاوي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: حُدّثت أنّ علياً كان ينزل بني الإخوة مع الجد منزلة آبائهم، ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره.
وأما الفرائض التي رواها عن عليّ فهي ليست صحيحة.
قال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: سُئِل أبي عن الفرائض التي رواه الشعبي عن عليّ، فقال: "هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول عليّ، وما أرى علياً كان يتفرغ لهذا" [الجرح والتعديل: 6/ 323].
· حديث الشعبيّ عن أبي هريرة، وهل سمع منه؟
وقد أشار بعض طلبة العلم أنه قد يُشكل على نفي سماع الشعبيّ من أمّ سلمة سماعه من أبي هريرة، وأبو هريرة توفي قبلها (ت57هـ)، وكلاهما مدني! وحديثه عنه في الصحيحين! فكيف يسمع من أبي هريرة، ولم يسمع من أم سلمة؟ ثمّ حلّ الاشكال بأن الشعبي ربما لقي أبا هريرة لقاءً عارضاً!!
قلت: نعم، حديث الشعبيّ عن أبي هريرة في الصحيحين، وهذا ما جعل بعض أهل العلم يثبتون سماعه من أبي هريرة.
والمعروف أن أبا هريرة قد نزل الكوفة، ولكن هل لقيه الشعبيّ هناك وسمع منه!!
روى عليّ بن الجعد عن زهير، عن أبي إسحاق، عن إمام مسجد سعد قال: "قدم أبو هريرة الكوفة فصلى الظهر والعصر واجتمع عليه الناس ... ".
وروى ابن أبي خيثمة في «تاريخه» من طريق مُجَالِد بنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْكُوفَةَ فَأَتَانَا سُفْيَانُ بنُ عَاصِمٍ، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ... ".
قلت: لم أجد ما يثبت أنّ الشعبي لقي أبا هريرة في الكوفة ولا سمع منه، وأصحاب أبي هريرة في الكوفة قلائل، منهم: قيس بن أبي حازمٍ الكوفيّ (ت97 أو 98هـ)، وخيثمة بن عبدالرحمن بن أبي سبرة الكوفي (ت85هـ)، وسالم بن أبي الجعد الكوفي (ت100هـ).
وسننظر في الأحاديث التي رُويت عن الشعبي عن أبي هريرة، ونعرضها على روايات أصحاب أبي هريرة المدنيين المعروفين بصحبته.