وروى الخطيب في «الكفاية في علم الرواية» (ص54) عن نُعيم بن حماد قال: سمعت ابن عيينة يقول: "لقد أتى هشام بن حسان عظيماً بروايته عن الحسن! قيل لنُعيم: لم؟ قال: لأنه كان صغيراً".
قال الخطيب معقباً على ذلك: "قلّ من كان يكتُب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ وصار في عِداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد".
وروى الرامهرمزي عن مُوسَى بن هارُونَ، قال: «أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَكْتُبُونَ لِعَشْرِ سِنِينَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لِعِشْرِينَ، وَأَهْلُ الشَّامِ لِثَلَاثِينَ».
قلت: فهذه قرائن على أن الشعبي لا يمكن أن يكون سمع من أم ّ سلمة، لأنه إذا بدأ الطلب وعمره (20) سنة أي في سنة (50هـ)، وعادة الطالب يبدأ في بلده ويحصِّل علم أهلها وهذا يحتاج منه لسنوات، فمتى رحل ليسمع من أم سلمة؟
ولا يُذكر أن الشعبيّ رحل للمدينة لطلب العلم فيها بعد أن أخذ من علماء بلده! ولكنه دخل هارباً من المختار بن أبي عُبيد.
روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (6/ 248) قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا يَذْكُرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «أَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ مَعَ عَبْدِاللَّهِ بنِ عُمَرَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ».
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: "وَكَانَ سَبَبُ مَقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ خَافَ مِنَ الْمُخْتَارِ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا".
قلت: المختار كان كذّاباً متقلباً، لما شفع فيه ابن عمر - وكان ابن عمر زوج أخته صفية- عند يزيد خرج من الكوفة إلى الحجاز وبايع عبدالله بن الزبير، ثم نكث البيعة ورجع للكوفة وسيطر عليها تقريباً منتصف سنة (66هـ) وهرب منه كثير من أهل العلم منهم الإمام الشعبيّ، وادّعى المختار أن جبريل يأتيه بالوحي من السماء، وتتبع قاتلي الحسين وقتل معظمهم، فالتف حوله الشيعة، وصار له شوكة قوية، فأرسل له عبدالله بن الزبير أخاه مصعب في أول سنة (67هـ)، وجرت بينهم وقائع عدّة انتهت بقتل المختار في (14) رمضان سنة (67هـ).
فالشعبيّ - رحمه الله- إنما نزل المدينة في أواخر سنة (66هـ) وبقي هناك إلى أن قتل المختار في رمضان سنة (67هـ)، وكان قدومه المدينة بعد وفاة أم سلمة بخمس سنين.
قَالَ الحاكم: "وأَقَامَ فِي المَدِيْنَة ثَمَانِيَة أَشْهُرٍ هَارِباً مِنَ المُخْتَارِ، فَسَمِع مِنِ ابنِ عُمَرَ".
· نفي أبي حاتم سماع الشعبيّ من ابن عمر! وتحقيق روايته عنه، وكيف خرّج البخاري ومسلم حديثه عن ابن عمر.
وقد نفى أبو حاتم سماع الشعبي من ابن عمر!!
قال عبدالرحمن ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 160): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "لَمْ يَسْمَعْ الشَّعْبِيُّ مِنَ ابنِ عُمَرَ".
قلت: بل سمع الشعبيّ من ابن عمر (ت 73هـ) وحديثه عنه في الصحيحين.
قال الحافظ في «الفتح» (13/ 244): "وكان الشعبي جاور بالمدينة أو بمكة وإلا فهو كوفي، وابن عمر لم تكن له إقامة بالكوفة".
قلت: قد بينا فيما سبق أنه نزل المدينة وكان هرب من المختار بن أبي عُبيد الكذّاب.
روى البخاري في «صحيحه»، باب خبر المرأة الواحدة، (6/ 2652) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ العَنْبَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا، مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سَعْدٌ، فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ، فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا أَوِ اطْعَمُوا، فَإِنَّهُ حَلاَلٌ - أَوْ قَالَ لاَ بَأْسَ بِهِ شَكَّ فِيهِ - وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي».