تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: فالحافظ ابن حجر يبين أن مسألة إمكانية سماع الشعبي من أم سلمة لا يدخل في باب المعاصرة لوجود نفي أحد أئمة النقد الكبار لقائهما.

وقد صحح الحديث بعض المعاصرين بتقديمه الكلام المنقول عن أبي داود على كلام علي بن المديني بحجة أن "المثبت مقدّم على النافي"!! وحاول التشكيك بنقل الحافظ ابن حجر لكلام ابن المديني بأنه لم يره في العلل المطبوع!!

قلت: وهذا عجيب منه! لأن ابن حجر نقله من إكمال مغلطاي، ومغلطاي - رحمه الله- كانت مصادره واسعة جداً. وهذه القاعدة التي احتج بها أن المثبت مقدم على النافي ليست على إطلاقها، وإنما يؤخذ بها إذا كان المثبت عنده قرائن تؤيد ما ذهب إليه؛ وما نُقل عن أبي داود اجتهاد منه ولم يثبت لنا هذا السماع المزعوم! والنصّ الذي نقله عنه الآجري في سؤالاته لم يذكر فيه سماع الشعبي من عائشة مع أم سلمة! ولكن نقله مغلطاي من كتاب الآجري! فلا أدري كأن هناك اختلافات في بعض نسخ الآجري، واثباته سماع الشعبي من عائشة يدلّ على أنه اجتهد اجتهاداً في ذلك ولا دليل عنده! فكيف يقدّم هذا على نفي ابن المديني إمام النقد؟!

وما نُقل عن أبي داود إنما هو من خلال سؤال من تلميذه الآجري، وبعض أجوبة هذه السؤالات قد لا تكون محررة من الشيخ؛ لأن المقام ليس مقام التحرير، بخلاف من يذكر رأيه بعد السبر والتحرير في مصنّف له كالإمام عليّ ابن المديني، فلا شك أن ذكره لهذا النفي في كتابه الكبير في العلل يدلّ على شدّه تحريه في تتبع سماع الشعبي من أم سلمة، فلما لم يجد ما يثبت ذلك نفى لقاءه لها.

· متى وُلد الشعبيّ؟ ومتى بدأ الطلب؟ ومتى دخل المدينة؟

هذه الأسئلة تعتبر قرائن مهمة في الترجيح في ثبوت سماع الشعبي من أم سلمة أم نفيه!

قال ابن السمعاني: ولد سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، ومات سنة تسع ومائة.

وفي " الزيادات " للرشاطي: "ولد لست سنين من خلافة عثمان". [إكمال تهذيب الكمال (7/ 130].

قلت: وهذا أقرب للصواب، ويؤيده ما رواه شُعْبَة، قال: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ: "الشَّعْبِيُّ أَكْبَرُ مِنِّي بِسَنَةٍ أو سنتين".

قلت: وأَبُو إِسْحَاقَ وُلِدَ بَعْد سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ، فعلى ذلك تكون ولادة الشعبيّ سنة (30 أو 31هـ)، والله أعلم.

وأم سلمة مدنية توفيت فيها سنة (61هـ)، والشعبي آنذاك عمره تقريباً (30) سنة. فهو لا شك أدركها، لكنه لم يلقها ولم يسمع منها.

وعادة الطلبة عموماً في عصر التابعين أنهم كانوا يبدأون الطلب في سنّ العشرين.

وقد وردت آثار عن السلف تدلّ على أن طلب العلم في عصر التابعين كان بعد أن يبلغ الشاب مبلغَ الرجال ويتعبّد.

روى الرامهرمزي في «المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي» (ص 187) عن أبي الْأَحْوَصِ وسفيان الثوريّ قالا: «كَانَ الرَّجُلُ يَتَعَبَّدُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ».

وَقَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: "يُسْتَحَبُّ كَتْبُ الْحَدِيثِ مِنَ الْعِشْرِينَ لِأَنَّهَا مُجْتَمِعُ الْعَقْلِ". قَالَ: "وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَشْتَغِلَ دُونَهَا بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ".

قال الرامهرمزي: "وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: «مَا رَأَيْتُ طَالِبًا لِلْعِلْمِ أَصْغَرَ مِنِ ابنِ عُيَيْنَةَ» عَلَى أَنَّ طُلَّابَ الْحَدِيثِ عَصْرَ التَّابِعِينَ كَانُوا فِي حُدُودِ الْعِشْرِينَ، وَكَذَلِكَ يُذْكَرُ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَخْبَرَنِي عِدَّةٌ مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّهُ قِيلَ لِمُوسَى بنِ إِسْحَاقَ: كَيْفَ لَمْ تُكْتَبْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ؟ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُخْرِجُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ صِغَارًا حَتَّى يَسْتَكْمِلُوا عِشْرِينَ سَنَةً وَحَدَّثَنِي مَنْ ذُكِرَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِاللَّهِ الْحَضْرَمِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَوُلِدَ الْحَضْرَمِيُّ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَمَاتَ أَبُو نُعَيْمٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٥٢١