قلت: والصواب أن الشعبيّ لم يسمع من أمّ سلمة. وحديثه عنها مرسل.
أما قول أبي داود أنه سمع أم سلمة وعائشة، وقول الحاكم أنه دخل عليهما فلا يصحّ!
فقد اتفق بعض أهل النقد على أنه لم يسمع عائشة.
حكى ابن أبي حاتم في «المراسيل» عن ابن معين: "الشعبي عن عائشة مرسل".
وقال: سمعت أبي يقول: "لم يسمع الشعبي من ابن مسعود، والشعبي عن عائشة مرسل، إنما يحدّث عن مسروق عن عائشة".
وسمعت أبي يقول: "الشعبي لم يسمع من ابن عمر".
· تناقض الحاكم النيسابوريّ! ونفيه سماع الشعبي من أم سلمة وعائشة!
وقد ناقض الحاكم نفسه عندما قال بأن الشعبي دخل على عائشة وأم سلمة وأكثر الرواية عنهما! فإنه قال في «علوم الحديث»: "لم يسمع الشعبي من عائشة، ولا من ابن مسعود، ولا من أسامة بن زيد، ولا من علي بن أبي طالب - إنما رآه رؤية، ولا من معاذ بن جبل، ولا من زيد بن ثابت".
وأين الحاكم بقوله هذا من قوله الذي نقله عنه مغلطاي في «الإكمال» (7/ 133) قال: وقال الحاكم في تاريخ بلده: "تواترت عنه - أي الشعبي- الروايات أنه لقي أربعمائة من الصحابة، ودخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم"؟!
فإذا كان هؤلاء الصحابة المشهورين الذين رووا الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قد نفى الحاكم نفسه سماع الشعبي منه، فمن أين جاء هذا التواتر؟!!
ومن أعجب العجب أن الحاكم لما ذكر في النَّوْعِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ: «مَعْرِفَة الْمُدَلِّسِينَ الَّذِينَ لَا يُمَيِّزُ مَنْ كَتَبَ عَنْهُمْ بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ، وَفِي التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ .. » قال: "هذَا بَابٌ يَطُولُ فَلْيَعْلَمْ صَاحِبُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... وَأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَحَابِيٍّ غَيْرِ أَنَسٍ، وَأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ، وَلَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَلَا مِنْ عَلِيٍّ إِنَّمَا رَآهُ رُؤْيَةً، وَلَا مِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَلَا مِنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ... ".
وهذا تصريح من الحاكم في نفي سماع الشعبي من أم سلمة وغيرها، والأولى الأخذ بما ذكره في كتابه هذا لا ما ذكره في كتاب «المستدرك» لأنه وهم أوهاماً شديدة في هذا الكتاب.
وابن المديني إمام العلل والناقد البصير عندما نفى لقاء الشعبي لأم سلمة قدّم على ذلك نفي لقاءه بأبي سعيد الخدريّ حيث قال: "ولم يلق أبا سعيد الخدري، ولا أم سلمة"، وهذه إشارة ذكية من إمام كبير حيث قرن بين أبي سعيد وأم سلمة في عدم لقاء الشعبي لهما؛ لأنهما مدنيان، وأبو سعيد توفي بعد أم سلمة، قيل مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين (63 أو 64 أو 65هـ)، وقيل: سنة أربع وسبعين (74هـ)، وأمّ سلمة توفيت سنة (61هـ).
ومما يدلّ على أن الشعبيّ لم يسمع من أمّ سلمة أنه كان عندما يحدِّث بالحديث يذكرها وأحياناً لا يذكرها فيرسل الحديث، ولو أنه سمع هذا الحديث منها لما أرسله! وعادة هؤلاء الكبار أمثال الشعبي أن الحديث إذا لم يكن سماعاً لهم فإنهم يرسلونه! ولم يأت في أيّ طريق ذكره لسماعه من أمّ سلمة.
فالحديث معلول على كلّ الأحوال.
قال الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» بعد أن نفى سماع الشعبي من أم سلمة، وقال: "وله علة أخرى، وهي الاختلاف على الشعبي: فرواه زبيد عنه مرسلاً، لم يذكر فوق الشعبي أحداً، هكذا أخرجه النسائي في اليوم والليلة من رواية عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن زبيد، ورواه مجالد عن الشعبي، فقال: عن مسروق عن عائشة، ورواه أبو بكر الهذلي عن الشعبي فقال: عن عبدالله بن شداد عن ميمونة، وهذه العلة غير قادحة، فإن منصوراً ثقة ولم يختلف عليه فيه، فقد رواه ابن ماجه من طريق عبد بن حميد والنسائي أيضاً من طريق جرير والطبراني في الدعاء من طريق القاسم بن معن، ومن طريق الفضيل بن عياض وابن نجيح في جزء له من طريق إدريس الأودي كلهم عن منصور كذلك، فما له علة سوى الانقطاع، فلعل من صححه سهل الأمر فيه لكونه من الفضائل، ولا يُقال اكتفى بالمعاصرة؛ لأن محل ذلك أن لا يحصل الجزم بانتفاء التقاء المعاصرين إذا كان النافي واسع الاطلاع مثل ابن المديني، والله أعلم".