قلت: الظاهر أنه كان يروي المراسيل كعادة أهل الشام، وقبول حديثه يتوقف على إثبات سماعه من عبدالله بن حوالة، وإلا يبقى الحديث على إرساله.
· رواية عبدالله بن عبد، والحارث بن الحارث، وكثير بن مرة الحضرمي الحمصيّ، عن ابن حوالة:
أخرج ابن عساكر في «تاريخه» (1/ 80) من طريق الحسن بن حبيب بن عبدالملك الحصائري: أخبرنا أبو العباس عبدالله بن عبيد بن يحيى المعروف بابن أبي حرب - من أهل سلمية قدم علينا - أخبرنا أبو علقمة: نصر بن خزيمة بن جنادة، قال: أخبرني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه - يعني محفوظ بن علقمة -، عن ابن عائذ - وهو عبدالرحمن - قال: أخبرنا عبدالله بن عبد الثمالي، وجبير بن نفير، والحارث بن الحارث، وكثير بن مرة، ونفرٌ من الفقهاء: أنّ ابن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتكونن أجناد ثلاثة: جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن فعليكم بالشام؛ فإنها صفوة الله من بلاده، وإليها يجتبي صفوته من عباده، فمن أبى فليستق بغدر اليمن فإن الله تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله».
قلت: هذا الإسناد يُروى به نسخة أحاديثها غرائب ومناكير! ويرويها عبدالله بن عبيد بن يحيى المعروف بابن أبي حرب، وهو مجهول لا يُعرف، ذكره ابن عساكر في «تاريخه» (29/ 365): "عبدالله بن عبيد بن يحيى أبو العباس بن أبي حرب السلماني، من أهل سلمية، قدم دمشق وحدث بها عن أبي علقمة نصر بن خزيمة بن جنادة الكناني الحمصي، وأبي سارة عبدالعزيز بن وحيد بن عبدالعزيز بن حليم البهراني، روى عنه الحسن بن حبيب".
وساق له حديثاً واحداً من هذه النسخة فيها وهم في اسم بعض الرواة.
وأبو علقمة نصر بن خزيمة بن جنادة لم أجد له ترجمة!
ومحفوظ بن علقمة الحضرمي، قال فيه ابن حبان: "من المتقنين، وكان يُغرب".
وعبدالرحمن بن عائذ ضعفه الأزدي، ووثقه النسائي، وهو يرسل كثيراً.
والغريب في هذا الحديث هذا الجمع العجيب بين الشيوخ! فإنّ صح فإنه يدلّ على انتشار هذا الحديث في حمص مرسلاً، فكلهم يروونه عن ابن حوالة، ولا يُعرف أن أحداً سمع منه، وسنحقق في ترجمته لاحقاً.
ومما سبق نلاحظ أن كثيراً ممن يروون هذا الحديث عن ابن حوالة هم من طبقة واحدة: جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني، وكثير بن مرة، وغيرهم، وبعضهم يروي عن بعض، وعادة ما يتداول أصحاب الطبقة الواحدة ممن يروون عن بعضهم هذه المراسيل إذا كانت مشتهرة في بلد، والشاميون معروف عنهم الإرسال.
· رواية عبدالله بن شقيق العُقيلي البصريّ عن ابن حوالة:
روى الإمام أحمد في «مسنده» (ط الرسالة: 28/ 213) برقم (17004) قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابنِ حَوَالَةَ، قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ دَوْمَةٍ وَعِنْدَهُ كَاتِبٌ لَهُ يُمْلِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: "أَلَا أَكْتُبُكَ يَا ابْنَ حَوَالَةَ؟ " قُلْتُ: لَا أَدْرِي، مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، فَأَعْرَضَ عَنِّي - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، مَرَّةً فِي الْأُولَى: "نَكْتُبُكَ يَا ابْنَ حَوَالَةَ؟ " قُلْتُ: لَا أَدْرِي، فِيمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنِّي -، فَأَكَبَّ عَلَى كَاتِبِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَنَكْتُبُكَ يَا ابْنَ حَوَالَةَ؟ " قُلْتُ: لَا أَدْرِي، مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَكَبَّ عَلَى كَاتِبِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِي الْكِتَابِ عُمَرُ، فَقُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ لَا يُكْتَبُ إِلَّا فِي خَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ: "أَنَكْتُبُكَ يَا ابْنَ حَوَالَةَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "يَا ابنَ حَوَالَةَ كَيْفَ تَفْعَلُ فِي فِتْنَةٍ تَخْرُجُ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ؟ "، قُلْتُ: لَا أَدْرِي، مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: "وَكَيْفَ تَفْعَلُ فِي أُخْرَى تَخْرُجُ بَعْدَهَا كَأَنَّ الْأُولَى فِيهَا انْتِفَاجَةُ أَرْنَبٍ؟ " قُلْتُ: لَا أَدْرِي، مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: "اتَّبِعُوا هذَا"، قَالَ: وَرَجُلٌ مُقَفّي حِينَئِذٍ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَسَعَيْتُ، وَأَخَذْتُ بِمَنْكِبَيْهِ، فَأَقْبَلْتُ بِوَجْهِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ».