وقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (4/ 95): "والصحيح عندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ينه عن التمتع المذكور في هذا الباب؛ لأنه كان أعلم بالله ورسوله من أن ينهي عما أباحه الله في كتابه وأباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر به وأذن فيه، وإنما نهي عمر عند أكثر العلماء عن فسخ الحج في العمرة فهذه العمرة التي تواعد عليها عمر، وفيها روي الحديث عنه أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج، يعني فسخ الحج في العمرة، وعلى أن فسخ الحج في العمرة لا يجوز عند أكثر علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم لقول الله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: 196]، يعني لمن دخل فيه، ولا أعرف من الصحابة من يجيز فسخ الحج في العمرة بل خص به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، روي عن عثمان بن عفان أنه قال: متعة الحج كانت لنا ليست لكم، يعني أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة بفسخ الحج في العمرة، وقال أبو ذر: ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخ بعمرة، وروى ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أفسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا، فقال: بل لنا خاصة".
وقد روى الإمام مسلمٌ في «صحيحه» من حديث زُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ، إِلَّا لَنَا خَاصَّةً» يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَمُتْعَةَ الْحَجِّ.
وقد أنكر ابن عمر أن يكون عمر - رضي الله عنه- خالف ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما لم يُفهم قوله.
فروى عبدالرزاق، عن مَعمر، عن الزهري، عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك! فقال: إن عمر لم يقل الذي تقولون، إنما قال عمر: أفردوا الحج من العمرة؛ فإنه أتم للحج وأتم للعمرة، أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي، وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حراماً، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله تعالى، وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب الله أحق أن يتبع أو عمر؟!
قلت: يعني إذ لم يقتنعوا بكلامه أن أباه لم يقل الذي ينتشر عنه، يقول لهم: إذن اتبعوا كتاب الله واتركوا قول عمر.
فعمر - رضي الله عنه- لم يخالف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، بل هو تبع النبيّ فيها، ومع ذلك، فهناك خلاف للصحابة في هذه المسألة كما مرّ.
والخلاصة أن (العذاب) لم يأت إلا بهذين الحديثين في أن عمر كان يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقد أجاب العلماء عن ذلك.
وعمر كان كغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون ما سمعوه من رسول الله، فكيف يخالفه وهو يسمع قول الله - جلّ وعلا-: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾.
ولو كان عمر يحبّ مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لما وجدناه يحدّث عنه، فهذه أحاديثه في دواوين الإسلام.
نعم، كان عمر - رضي الله عنه- ربما اجتهد في بعض المسائل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما في أسارى بدر، والصلاة عند المقام، وغيرها، وهذا لا علاقة له بالمخالفة، بل ينزل الوحي لتسديد رأيه، وها هو ينشرح صدره لقتال المرتدين بعد أن خالف رأي أبي بكر في ذلك، وكان دائماً ينصاع للحقّ، فكيف لا ينصاع لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قصة الاستئذان مع أبي موسى الأشعري عنّا ببعيدة حفاظاً على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.