تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: وقد ذهب مذهب عمر هذا الإمام الفقيه عبدالله بن مسعود أيضاً، فهل هو أيضاً كان يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

روى الإمام مسلم في «صحيحه» (1/ 280) من طريق الْأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ، قال: «كنت جَالِسًا مع عبداللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فقال أبو مُوسَى: يا أَبَا عبدالرحمن، أَرَأَيْتَ لو أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فلم يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فقال عبداللَّهِ: لا يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ لم يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا. فقال أبو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ في سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فقال عبداللَّهِ: لو رُخِّصَ لهم في هذه الْآيَةِ لَأَوْشَكَ إذا بَرَدَ عليهم الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ! فقال أبو مُوسَى لِعَبْدِاللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فلم أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال: إنما كان يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ على الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ! فقال عبداللَّهِ: أو لم تَرَ عُمَرَ لم يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ!».

قلت: فهذا ابن مسعود قد احتج بقول عمر في عدم قناعته بما ذكره عمّار في هذه المسألة، ولم يفهم لا هو ولا أبو موسى ما فهمه (عذاب) ومن لفّ لفه من أن عمر أراد مخالفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعروف أن عمر كان يتثبت ممن يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسالة أن عماراً يقول بأنه كان معه في هذه القصة، وهذا ما استغربه عمر، ومع هذا لم يمنعه من التحديث به.

فأين مخالفة عمر لحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم!

2 - وأما قولك: "وعمر هو الذي يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما".

فأقول: أما هذا القول المنسوب لعمر بهذا اللفظ فغير صحيح!

وقد رواه مَكِّيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حدثنا مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا، مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ».

قال النسائي: "هذا حديث مُعضل، لا أعلم رواه غير مكي، وهو لا بأس به، لا أدري من أين أتى عن مكي" [تذكرة الحفاظ: 1/ 366].

وروي أيضاً مرسلاً، رواه حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا».

وهاتان المتعتان اختلف فيهما الصحابة، وعمر إنما أظهر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، ولم يخالفه.

روى مسلم في «صحيحه» من حديث أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللهِ فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ وَابنَ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: «فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا».

قال البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 206): "ونحن لا نشك في كونها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنا وجدناه نهى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد الإذن فيه، ثم لم نجده أذن فيه بعد النهي عنه حتى مضى لسبيله صلى الله عليه وسلم فكان نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نكاح المتعة موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذنا به، ولم نجده صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة الحج في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر رضي الله عنه ما دل على أنه أحبّ أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما فحملنا نهيه عن متعة الحج عن التنزيه وعلى اختيار الإفراد على غيره، لا على التحريم، وبالله التوفيق".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٨٦