وانظروا إلى عباراته: "أكثر صحابي اجتهد في مخالفة النبي"!! وكأنه كان يتعمد مخالفته للنبي صلى الله عليه وسلم!! - ولا ينفعه قوله: "باجتهاده طبعا"-!! لأنه لو كان معتقداً أن هذه المخالفات باجتهاده فلم يضخم مسألتها هكذا!!
وقوله: "وكثير من هذه الاجتهادات لم يستطع العلماء تسويغها، لكنهم سكتوا، وخالفوه! "!!
وهذا كذبٌ واضح! فقد أجاب عنها العلماء بحمد الله ولم يسكتوا، ولم يخالفوه كلهم، بل إن بعضهم قد وافقه، بل قد وافقه من قبل الصحابة أيضاً.
ثم يوجه العذاب الطعن لعمر بأسلوبه: "فهل الذي يكون أعلى الخلق حباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلّم؛ يكون أكثر الناس مخالفة له باجتهاده طبعاً؟ "!!!
يعني بمفهوم المخالفة: لو كان عمر يحب النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من أكثر الناس مخالفة له؟!!!
وهذا خبث ما بعده خبث!!
ومع هذا سنجيبك أيها (العذاب) عما لم تستطع استيعابه لا حديثياً ولا عقلياً!! فأقول مستعيناً بالله:
1 - أما قولك: "فعمر كان يفتي الناس بأن من أجنب ولم يجد الماء؛ فلا يصلي، وهو كان لا يصلي"!
فهل هذه الفتوى مخالفة للحديث؟!
وهل هذا يحصل مع عمر أو غيره دائماً؟ نعم، قد يجنب المرء ولكن هل ذلك دائماً بحيث نصفه ونقول: "كان لا يصلي" لتضخيم المسألة!!!
هو لم يصلي عند فقد الماء، وهل الماء دائماً يكون مفقوداً؟
أما الحديث الذي اعتمدت عليه في أن عمراً خالف النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ما رواه الشيخان في "صحيحيهما" من طريق سَعِيدِ بن عبدالرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه قال: جاء رَجُلٌ إلى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ فقال: إني أَجْنَبْتُ فلم أُصِبْ الْمَاءَ، فقال عَمَّارُ بن يَاسِرٍ لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كنا في سَفَرٍ أنا وَأَنْتَ فَأَمَّا أنت فلم تُصَلِّ، وَأَمَّا أنا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يَكْفِيكَ هَكَذَا - فَضَرَبَ النبي صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».
وفي رواية لمسلم: "فقال عُمَرُ: نُوَلِّيكَ ما تَوَلَّيْتَ".
وفي رواية لأبي داود: "فقال عُمَرُ: يا عَمَّارُ، اتَّقِ اللَّهَ! فقال: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إن شِئْتَ والله لم أَذْكُرْهُ أَبَدًا. فقال عُمَرُ: كَلَّا والله لَنُوَلِّيَنَّكَ من ذلك ما تَوَلَّيْتَ".
قلت: فعمر رضي الله عنه لم يتذكر هذه القصة التي ذكرها له عمّار وأنها حصلت معهما - والإنسان ينسى- فهو لم يكن يتذكرها، فكيف نصفه بأنه قد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال العيني في «صحيحه» (4/ 37): "قوله (لم يقنع بقول عمار) ووجه عدم قناعته بقول عمار هو أنه كان معه في تلك القضية ولم يتذكر عمر ذلك أصلاً، ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم عن عبدالرحمن بن أبزى: اتق الله يا عمار فيما ترويه وتثبت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئاً من هذا، ومعنى قول عمار إني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث وافقتك وأمسكت، فإني قد بلّغته ولم يبق عليّ حرج، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إنا نوليك ما توليت، أي لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقاً في نفس الأمر فليس لي منعك من التحديث به".
قلت: فعمر لم ينهه عن التحديث به، ولو أراد عمر مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنعه من التحديث به.
قال ابن عبدالبر في «التمهيد» (19/ 273): "فإن قال قائل: إن في بعض الأحاديث عن عمار في هذا الخبر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب: إن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمّار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن التيمم يكفيه سكت عنه، ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع بقلبه تصديق عمار؛ لأن عماراً قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت رحمة الله عليه".