تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: من خلال هذه الروايات يتبين لنا أن عمر لم يطلب من العاص بن وائل أن يجيره وإنما هو الذي أجاره من تلقاء نفسه لأنه من حلفائه.

وما جاء في بعض الروايات من خوف عمر من الناس فأمر لأنه ثار على القوم وأشهر إسلامه، وقد فعلوا بنبينا صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك. وأذكرك بأن نبياً من أنبيائه قد دخل المدينة خائفاً يترقب! لقتله ذاك الرجل.

قال تعالى في موسى عليه السلام: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.

وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى﴾.

و قوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.

فإن أبى (العذاب) إلا الطعن في عمر بسبب هذا (الجوار) من العاص بن وائل، فأقول له: وما رأيك بدخول النبي صلى الله عليه وسلم في جوار (المطعم بن عدي) عند رجوعه من الطائف؟!

فهل هذا يدلّ على الخوف وعدم الشجاعة؟!

حاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولكن الأمر الطبيعي أن يدخل الإنسان في تلك الحال في جوار من يحميه؛ لأن المشركين قد جن جنونهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من نقض عبادتهم لتلك الأصنام.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد ذكر الأمة بذلك الجوار عندما قال في أُسَارَى بَدْرٍ: «لو كان الْمُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ له».

يريد صلى الله عليه وسلم أن يجزيه على ما فعل معه في ذلك اليوم العصيب.

وأما حديث الهجرة وأنه رضي الله عنه هاجر علناً وتوعد من يلحقه، فنعم لم يثبت، وهي قصة لم تصحّ!!

وهجرته سراً كغيره ليس فيها معنى (الجبن) كما أراد (العذاب) أن يعرّض به في ذلك وفي حكمه على هجرته العلنية بأنها باطلة!

فالرسول صلى الله عليه وسلم قد هاجر سراً، واختبئ من الكفار لما لحقوه .. وهذا من باب الأخذ بالأسباب، وليس فيه معنى الجبن الذي رسخ في قلب كل مريض متربص بأمير المؤمنين رضي الله عنه.

خامساً:

ثم يواصل (العذاب) افتراءَهُ على عمر - رضي الله عنه- بقوله: "وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أكثر صحابي اجتهد في مخالفة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فلا يؤثر عن صحابي ما أثر عنه من مخالفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم باجتهاده طبعاً، وكثير من هذه الاجتهادات لم يستطع العلماء تسويغها، لكنهم سكتوا، وخالفوه! فهل الذي يكون أعلى الخلق حباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلّم؛ يكون أكثر الناس مخالفة له باجتهاده طبعاً؟ فعمر كان يفتي الناس بأن من أجنب ولم يجد الماء؛ فلا يصلي، وهو كان لا يصلي، وعمر هو الذي يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما، وعمر كان يضرب الناس على كتابة حديث رسول الله، حتى كان هذا سببا في ضياع كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخصوصاً في العهد المكي، فلا أدري كيف سيواجه هؤلاء الوعاظ الله تعالى؟ رضي الله عن أبي بكر وعن عمر وعن عثمان وعن عليّ، وعن سائر العشرة وعن سائر الصحابة الكرام البررة"!!!! انتهى.

قلت: انظروا إلى خبث الطوية وسوء النية!!!

من قال بأن عمر كان أكثر الصحابة مخالفة لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الروافض عليهم من الله ما يستحقون؟!!

وهل أراد عمر مخالفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أو أن ذلك يرجع إلى أسباب أخرى في واقعة واحدة أو ثنتين؟!! - وليس بهذه الكثرة التي يصوّرها هذا الحاقد-!

وهل لو صحت مخالفته لحديثين أو ثلاثة هل نقول بأنه كان يحرص على مخالفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وننفخ في هذا للطعن فيه؟!!

ونحن نطلب من (عذاب) أن يأتينا بهذه الكثرة التي ادّعاها في مخالفة عمر لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وإلا كان كاذباً متعمداً لذلك.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٨٤