فهذا مما يقبله أهل المغازي والسير.
ثانياً:
أما قولك: "والأحاديث التي تتحدث عن عظمة صحبة أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة؛ كلها غير صحيحة! فقد كان معهما دليلٌ مشركٌ، وكان معرضاً لما كان معرضاً إليه أبو بكر. والحقيقة هي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم كان يثق به ويأنس إليه فاصطحبه معه".
انظر إلى هذا الكلام المتهافت الذي يريد به (عذاب) أن يجرد أبا بكر - رضي الله عنه- من عظم صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكفيه أن الله عز وجل عظّم هذه الصحبة بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
فأيّ حديث بعد قول الله عز وجلّ هذا؟!
وقول عذاب فيه تجني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتهوينه من الهجرة وكأنه يقول بلسان حاله بأن ما لقيه نبينا صلى الله عليه وسلم - بله أن نخوض في أبي بكر رضي الله عنه- ليس بشيء فهذا دليلهما المشرك لقي ما لقياه فلا فضل للدخان على النار غير الاعتلاء!!
وما شأن الدليل المشرك في عظم هذه الصحبة؟!
وأي أحاديث هذه التي كلها غير صحيحة؟! هكذا بإطلاق! وما شأن وجود الدليل المشرك معهما وشأن هذه الأحاديث؟
يا شيخ عذاب: أنت عشت في مكة مدة طويلة، وأنت تعلم غار ثور الذي اختبأ فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وهو على مسافة قريبة من الحرم، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى الغار لم يكن معهما الدليل المشرك، والآية واضحة في هذا - ومن هنا أدخل على الروافض المجانين حيث أنهم لبغضهم لأبي بكر قالوا بأن المقصود بهذا الآية ﴿ثاني اثنين﴾ هو هذا الدليل المشرك: عبدالله بن أريقط-!!
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مع صاحبه ولحقهم كفار قريش لم يكن معهم الدليل فاختبؤوا في الغار، وهم لا يحتاجون للدليل داخل مكة فهم أدرى الناس بها، وإنما احتاجوا الدليل ليوصلهم إلى المدينة، وهذا الدليل لحقهم مع عامر بن فهيرة وعبدالله بن أبي بكر بعد ثلاث ليال كما سيأتي ذكره.
قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة» (4/ 172) في ترجمة أبي بكر - رضي الله عنه-: "ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحابه لا تحزن إن الله معنا﴾ فإن المراد بصاحبه "أبو بكر" بلا نزاع إذ لا يعترض لأنه لم يتعين لأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة عامر بن فهيرة وعبدالله بن أبي بكر وعبدالله بن أريقط الدليل لأنا نقول لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر لأن عبدالله بن أبي بكر استمر بمكة وكذا عامر بن فهيرة وإن كان ترددهم إليهما مدة لبثهما في الغار استمرت لعبدالله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك كما في نفس الخبر وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك وثبت في الصحيحين من حديث أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وهما في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره".
وأما تهوينك من هذه الصحبة بأن هذا الدليل المشرك كان معرضاً لما كان معرضاً إليه أبو بكر فهذا غير صحيح؛ لأن التعريض للأذى كان أثناء وجودهم بغار ثور، ولم يكن هذا الدليل معهم حينها، ثم إن هذا الدليل هذه مهنته وهو يأخذ الأجر المادي على ذلك، ولو أن قريشاً أمسكته لربما لم تفعل له شيئا لأنهم يعرفون أن هذا عمله ... بل كان حليفا لآل العاص بن وائل ...
روى البخاري في «صحيحه» عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ رضي الله عنها: "وَاسْتَأْجَرَ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْرٍ رَجُلًا من بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ من بَنِي عبد بن عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا - الْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قد غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ الْعَاصِ بن وَائِلٍ وهو على دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إليه رَاحِلَتَيْهِمَا، ووعداه غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وهو طَرِيقُ السَّاحِلِ".