قال الإمام الشافعي في «مسنده» (1/ 275): "عمّي - محمد بن علي بن شافع-: ثقة. وعبدالله بن عليّ ثقة. وقد أخبرني محمد - وهو عمّه- عن الأنصاري المحدث بها أنه أثنى عليه خيراً، وخزيمة ممن لا يشك عالم في ثقته، فلست أرخص فيه، بل أنهى عنه".
قلت: والأنصاري الذي أشار إليه هو: عمرو بن أحيحة.
وقال الطبراني في «المعجم الأوسط» (6/ 261): "لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن أحيحة إلا عبدالله بن علي بن السائب. تفرد به إبراهيم الشافعي".
قلت: لم يتفرد به، وإنما تابعه عليه: الحسن بن محمد بن أعين، ويونس بن محمد، والإمام الشافعي. وإبراهيم الشافعي ثقة. وكأن الطبراني أراد أن يقول: "تفرد به محمد بن علي"، والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (4/ 598): "وحديث عمرو هذا عن خزيمة في سنن النسائي، وهو مضطرب".
وقال في «التلخيص الحبير» (3/ 179): "وفي هذا الإسناد عمرو بن أحيحة، وهو مجهول الحال. واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً. وقد أطنب النسائي في تخريج طرقه وذكر الاختلاف فيه. وهو من رواية عبدالله بن علي بن السائب، يرويه عنه محمد بن علي بن شافع، ورواه عن محمد بن علي الشافعي الإمام وابن عمه إبراهيم بن محمد بن العباس. وقد روى الدارقطني في «فوائد أبي الطاهر الذهلي» من طريق إبراهيم بن محمد هذا عن محمد بن علي قال: جاء رجلٌ إلى محمد بن كعب فسأله عن هذه المسألة؟ فقال: هذا شيخ قريش فاسأله - يعني عبدالله بن علي بن السائب. فسأله؟ فقال: عبدالله: اللهم قذراً! ولو كان حلالاً. انتهى. وقد اختلف فيه على عبدالله بن علي بن السائب، فرواه النسائي من طريق ابن وهب عن سعيد ابن أبي هلال عن عبدالله بن علي بن السائب عن حصين بن محصن عن هرمي بن عبدالله عن خزيمة ابن ثابت. ومن طريق هرمي أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان، وهرمي: لا يعرف حاله أيضاً. وقال البزار: لا أعلم في الباب حديثاً صحيحاً لا في الحظر ولا في الإطلاق، وكلّ ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه فغير صحيح. انتهى. وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاري".
قلت: الاختلاف على عبدالله بن علي بن السائب إنما هو من الرواة، وقد بينت الصواب فيه. وعمرو بن أحيحة وهرمي ليسا بمجهولي الحال! بل هما معروفان صدوقان. وما نقله ابن حجر عن النسائي والبخاري من موافقتهما لقول البزار هو ما نقل عنهما أنه لم يصح أي حديث في الحرمة! لكن هذا لم يثبت عن البخاري، بل هو يرى قبول الحديث كما بينته سابقاً، والله أعلم.
وكأن هذا أخذه ابن حجر من البوصيري، فإنه قال في هذا الحديث في «مصباح الزجاجة» (2/ 110): "منكر"، ثُمّ قال: "لا يصح كما صرّح بذلك البخاري والبزار والنسائي، وغير واحد".
ثُمّ إن ابن حجر خالف رأيه في عمرو بن أحيحة هنا عما قاله في «التقريب» (ص 487) حيث قال: "عمرو ابن أحيحة - بمهملتين مصغر - بن الجلاح - بضم الجيم وتخفيف اللام - الأنصاري المدني. مقبولٌ من الثالثة. ووهم من زعم أن له صحبة، فكأن الصحابي جدّ جدّه وافق هو اسمه واسم أبيه (س) ".
فحديث خزيمة ثابتٌ وصحيحٌ.
·…اعتراض مُعترِض:
وقد أجاب الأخ الذي ذكرناه آنفاً على هذا الكلام لما أرسلنا له أصل البحث، فقال: "أما قول أبي صهيب وفقه الله: (أثبت الإمام البخاري سماع عبد الملك بن عمرو من هرمي، وسماع هرمي من خزيمة، وهذا يدل على صحة الحديث عنده، وأن هرمياً هذا صدوق)!
قلت: هذا غريب جدًا! ومتى كان إثبات البخاري- أو غيره من أئمة هذا الشأن- لسماع راوٍ من آخر في خبر بعينه دليلًا على ثبوت هذا الخبر عنده؟!
ومثل هذا يقال في ترجيحهم بعض الطرق على غيره في خبر بعينه.
على أن جماعة من أماثل المعاصرين قد أبدوا وجهًا معتبرًا، من كون تلك السماعات التي يذكرها البخاري في «تاريخه» في تراجم الرواة ليست من إنشائه هو؛ وإنما هي حكاية عما وقع له في الطرق والأسانيد وحسب.