ورُوِيَ عن مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ وَتَكْذِيبُ من نَقَلَهُ عنه من وَجْهٍ آخَرَ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ في الرُّوَاةِ عن مَالِكٍ من طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بن حِصْنٍ، عن إسْرَائِيلَ بن رَوْحٍ، قال: سَأَلْت مَالِكًا عنه، فقال: ما أَنْتُمْ قَوْمُ عَرَبٍ، هل يَكُونُ الْحَرْثُ إلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ، قُلْت: يا أَبَا عبداللَّهِ إنَّهُمْ يَقُولُونَ ذلك، قال: يَكْذِبُونَ عَلَيَّ.
والْعُهْدَةُ في هذه الْحِكَايَةِ على إسْمَاعِيلَ؛ فإنه وَاهِي الحديث.
وقد رَوَيْنَا في عُلُومِ الحديث لِلْحَاكِمِ قال: حدثنَا أبو الْعَبَّاسِ محمد بن يَعْقُوبَ: حدثنَا الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ: حدثنَا أبو عبداللَّهِ بِشْرُ بن بَكْرٍ: سَمِعْت الْأَوْزَاعِيَّ يقول: يُجْتَنَبُ أو يُتْرَكُ من قوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ خَمْسٌ، وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسٌ. من أَقْوَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ: اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي، وَالْمُتْعَةُ، وَإِتْيَانُ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ، وَالصَّرْفُ، وَالْجَمْعُ بين الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. ومِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: شُرْبُ النَّبِيذِ، وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ حتى يَكُونَ ظِلُّ الشَّيْءِ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِهِ ولا جُمُعَةَ إلَّا في سَبْعَةِ أَمْصَارٍ، وَالْفِرَارُ من الزَّحْفِ، وَالْأَكْلُ بَعْدَ الْفَجْرِ في رَمَضَانَ.
ورَوَى عبدالرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ قال: لو أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ في اسْتِمَاعِ الْغِنَاءِ، وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ، وبقول أَهْلِ مَكَّةَ في الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ، وَبِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ في الْمُسْكِرِ كان شَرَّ عِبَادِ اللَّهِ.
وقال أَحْمَدُ بن أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ: أخبرنَا أبي: سَمِعْت الرَّبِيعَ بن سُلَيْمَانَ الْجِيزِيَّ يقول: أخبرنا أَصْبَغُ، قال: سُئِلَ ابن الْقَاسِمِ عن هذه الْمَسْأَلَةِ - وهو في الْجَامِعِ - فقال: لو جُعِلَ لي مِلْءُ هذا الْمَسْجِدِ ذَهبًا ما فَعَلْته. قال: وحدثنَا أبي: سَمِعْت الْحَارِثَ بن مِسْكِينٍ يقول: سَأَلْت ابن الْقَاسِمِ عنه فَكَرِهَهُ لي. قال: وسَأَلَهُ غَيْرِي فقال: كَرِهَهُ مَالِكٌ".
قلت: وما ذكره الأخ من كتاب العتبية من قول مالك فمنكر! والعجب أن الأخ احتج به ونصّ على صحته مع قوله إن جماعة من المالكية يتكلم فيها لِمَا حوتْه من الشواذ والغرائب عندهم! ولا أدري كيف يستقيم هذا مع قوله بعد ذلك: "ولا ريب في ثبوت ما فيها عن مالك وإن تكلموا في دلالة ذلك بما يناسب المذهب وأصوله"!!
والخلاصة أن بعض أهل العلم نفى ثبوت تحليل مالك لذلك، وبعضهم نقل عنه الحلّ، وبعضهم نقل عنه الكراهة، فإن ثبت تراجعه فيكون ذلك بعد حلّه، وقد يكون أخذ بقول شيخه نافع، ثم كرهه بعد ذلك، والله أعلم.
5 - قال الأخ المعترض - وهو يعدد من ذهب إلى الإباحة-: "5 - وابن أبي ذئب:
أخرجه عنه حامد بن محمد بن عبد الله بن معاذ الرفاء في «فوائده/ تخريج الدارقطني» كما في «العجاب»، حدثنا أبو أحمد بن عبدوس نا علي بن الجعد نا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: وقع رجل على امرأته في دبرها فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: فقلت لابن أبي ذئب: ما تقول أنت في هذا؟ قال: ما أقول فيه بعد هذا»؟!
وابن أبي ذئب هذا: هو شيخ الإسلام وعالِم المدينة، وكان الإمام أحمد يُفضِّله على مالك في العِلْم والعمل جميعًا"انتهى كلامه.
قلت: قد تقدّم الكلام على هذه الرواية وأن ابن أبي ذئب لم يسمعها من نافع، وأما ما جاء من قول ابن أبي ذئب لعليّ بن الجعد فهذا بناه على هذه الرواية.