ودونك هذا النقل عن مالك مما هو أصرح ما يكون في الدنيا!
قال عبدالرحمن بن القاسم: «سألت مالكًا عن الوطء في الدبر مخليًا. فقال: مالك: حلال لا بأس به أحل من الماء البارد. حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال: لا بأس به ... ». ثم تلا مالك هذه الآية: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 165] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: 166]. وقال لابن القاسم: «أو في ذلك شك؟ أو ما تقرأ قول الله عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. قال: أي شيء أبين من هذا؟، وما أدركت أحدًا ممن أقتدي به يشك فيه ... ».
قلت: هذا النص الصحيح الصريح نقله العلامة الفقيه محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي في كتابه: «الديوان المستخرج من الأسمعة» المشهور بـ: «العتبية». من مسموعات شيخ الأندلس عِيْسَى بن دِيْنَارٍ الغَافِقِيّ القُرْطُبِيّ عن شيخه ابن القاسم التي جمعها في «كتاب الهدية».
وكتاب العتبية هذا: يقول عنه الفقيه أبو الوليد ابن رشد في «البيان والتحصيل» [1/ 28 - 29]: «على أنه كتاب قد عوَّل عليه الشيوخ المتقدمون من القرويين والأندلسيين، واعتقدوا أن مَن لَمْ يحفظه، ولا تفقه فيه كحفظه للمدونة وتفقهه فيها؛ بعد معرفة الأصول، وحفْظه لسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فليس من الراسخين في العِلْم، ولا من المعدودين فيمن يشار إليه من أهل الفقه».
وثمة جماعة من المالكية يتكلم فيها لِمَا حوتْه من الشواذ والغرائب عندهم، ولا ريب في ثبوت ما فيها عن مالك وإن تكلموا في دلالة ذلك بما يناسب المذهب وأصوله.
والذي تحصَّل لي في رأي مالك: هو الكراهة وحسب إنْ صحَّتْ أيضًا، وهي لا تُجامِع التحريم على التحقيق.
وأصل الكراهة عنده: هو ما رواه أَحْمَدُ بْن أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ: نَا أَبِي، سَمِعْت الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيَّ يَقُولُ: أَنَا أَصْبَغُ؛ قَالَ: «سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ فِي الْجَامِعِ، فَقَالَ: لَوْ جُعِلَ لِي مِلْءُ هَذَا الْمَسْجِدِ ذَهَبًا مَا فَعَلْته، قَالَ: ونَا أَبِي سَمِعْت الْحَارِثَ بْنَ مِسْكِينٍ يَقُولُ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْهُ فَكَرِهَهُ لِي. قَالَ: وَسَأَلَهُ غَيْرِي فَقَالَ: كَرِهَهُ مَالِكٌ».
والقول بالكراهة دون التحريم: هو اختيار عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، كما مضى، وهو اختيار أبي محمد عبد الله بن ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر الأصيلي الفقيه المالكي المشهور أيضًا.
فقال القاضي عياض في ترجمة الأصيلي من «المدارك»: «كان يرى القول بإتيان النساء في أعجازهن كراهة من غير تحريم».
وجمهور المالكية لا يزالون ينكرون صحة هذا الأمر عن مالك، لا سيما العراقيين منهم؛ لِمَا وجدوه من تشنييع الحنفية وغيرهم عليهم في هذا الباب!
والأمر كما قال أَبُو بَكْر الجصاص: في «أحكام القرآن»: «الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةُ ذَلِكَ وَأَصْحَابُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لِقُبْحِهَا وَشَنَاعَتِهَا، وَهِيَ عَنْهُ أَشْهُرُ مِنْ أَنْ يَنْدَفِعَ بِنَفْيِهِمْ عَنْهُ». انتهى كلامه.
قلت: أما ثبوت ذلك عن الإمام مالك فقد رُوي عنه كما أوضحناه من قبل، ولكن ذلك لم يصح عنه.
قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (3/ 186): "وذكرَ الْخَلِيلِيُّ في الْإِرْشَادِ عن ابن وَهْبٍ: أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عنه، وفي مُخْتَصَرِ ابن الْحَاجِبِ عن ابن وَهْبٍ عن مَالِكٍ إنْكَارُ ذلك وَتَكْذِيبُ من نَقَلَهُ عنه، لكِنَّ الذي رَوَى ذلك عن ابن وَهْبٍ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ، والصَّوَابُ ما حَكَاهُ الْخَلِيلِيُّ، فَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عن يُونُسَ بن عبدالْأَعْلَى عن ابن وَهْبٍ عن مَالِكٍ أَنَّهُ أباحه. رَوَى الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ من طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ قال: كُنْت عِنْدَ ابن وَهْبٍ وهو يَقْرَأُ عَلَيْنَا رِوَايَةَ مَالِكٍ فَجَاءَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ، فَقَامَ رَجُلٌ فقال: يا أَبَا مُحَمَّدٍ، ارْوِ لنا ما رَوَيْت، فَامْتَنَعَ أَنْ يَرْوِيَ لهم ذلك، وقال: أحدكم يَصْحَبُ الْعَالِمَ فإذا تَعَلَّمَ منه لم يُوجِبْ له من حَقِّهِ ما يَمْنَعُهُ من أَقْبَحِ ما يُرْوَى عنه، وَأَبَى أَنْ يَرْوِيَ ذلك.