وحديثه هذا أخرجه الدارمي في «مسنده» قال: حدثنا عبدالله بن صالح: حدثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر، ما تقول في الجواري، أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض، فذكر الدبر؟ فقال: "وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين".
قال ابن كثير: "وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به، وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم".
وأما تقديم رواية نافع على رواية ابن يسار بالتسليم بصحة رواية ابن يسار فهذا هو محل النزاع!! وهو أننا نقول بأن نافعاً أخطأ في فهم قول ابن عمر، وما قاله ابن يسار صريح في مذهبه في التحريم، وقد أيده غيره ممن نقل عن ابن عمر، فقد سؤال محمد بن عبدالله المعروف بالديباج - لما استنكر ما نقله نافع عن ابن عمر - لعبدالله بن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، فأخبراه بعكس ما رواه نافع، فهؤلاء ثلاثة اتفقوا على النقل عن ابن عمر خلاف ما رواه نافع، فهل نوهّم الثلاثة في مقابل ما رواه نافع فهماً منه عن سيّده!!
وأما الافتراض الذي فرضه عن ابن عمر أنه كان يقول بالإباحة ثم رجع عنها، وردّه على ذلك فهو افتراض ضعيف والرد عليه هزيل لا يقوى مع الأدلة القوية بمذهب ابن عمر في التحريم.
فدعوى أن رواية المنع هي المشهورة المستفيضة بين الناس في زمانه وهو حيّ دعوى خيالية لا تكون إلا في الأحلام! فلو كان ذلك فيه شمّة من الصحة لنُقل إلينا، وإنما المرجع في رأيه في الإباحة هو ما رواه نافع. واحتجاجه بتلك الاستفاضة بإنكار ابن عباس عليه فهذا يحتاج أولاً أن يثبت الرواية: اثبت العرش ثم انقش! وقد أثبتنا أن تلك الرواية ضعيفة، ولكن الأخ لا يزال يتمسك بها كالذي يريد أن يتمسك ببيت العنكبوت، وإن أوهى البيوت لبيت العنكبوت.
وعليه فإن افتراضه بأنه لو كان ابن عمر رجع عن ذلك لاستفاض عنه ولعرفه مولاه نافع فهذا افتراض لا يخطر ببال! لأنه لم يثبت أن ابن عمر كان يقول بالإباحة حتى نفترض أنه رجع عنه! ونقول للأخ: لو كان ابن عمر يرى الإباحة لاستفاض عنه ولعرفه أهل بيته، وها هم أهل بيته ينكرون على نافع ما نقله عن سيّدهم.
وأما قول الأخ: "فالحاصل: أن المحفوظ عن ابن عمر هو الإباحة المطلقة، كما رواه عنه غير واحد من الأثبات، على رأسهم مولاه نافع، وهو أعلم من غيره بأحواله ومقالاته وفتياه. ولم يثبت عنه النهي من وجه يصح مثله"! فهو قول باطل لا دليل عليه. وقد تفرد برواية الإباحة عنه مولاه نافع، ولم يثبت عن غيره من أصحابه، وقد ثبت النهي عنه بخلاف ما يدّعيه الأخ.
وأما أن ابن عمر أوهم في تفسير سبب نزول الآية والاستشهاد على ذلك بما روي عن ابن عباس فهذا أيضاً من الدعاوى المردودة لعدم ثبوت ذلك عن ابن عمر ولا عن ابن عباس أنه قال ذلك.
2 - قال الأخ المعترض - وهو يعدد من ذهب إلى الإباحة-: "2 - نافع مولى ابن عمر.
أخرجه ذلك عنه ابن عساكر في «تاريخه» من طريق أبي أمية الطرسوسي عن المعلى بن منصور عن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن عن أبيه قال: «أتى محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فذكر أن نافعًا ذكر أنه حلال أن يؤتين النساء في أدبارهن، وأن عبد الله (يعني: ابن عمر) ذكر ذلك .... ».
وسنده حسن صالح، وهو طريق آخر عن نافع عن ابن عمر في الإباحة غير متعلق بأسباب نزول الآية المشهورة". انتهى كلامه.
قلت: نحن لا نُنكر أن هذا مذهب نافع فيما فهمه عن ابن عمر، والحديث الذي ساقه الأخ فيما نقله محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان عن نافع أنه نقل عن ابن عمر ذلك صحيح، لكن الأخ دلس - كما بينا فيما سبق- ولم يذكر بقية الحديث، وهو أن محمد بن عبدالله استنكر هذا النقل عن ابن عمر من نافع وراجع بعض آل بيته فقالوا بأن نافعاً أخطأ في ذلك، وذكروا أن مذهب ابن عمر التحريم.